د. رعد محمود التل : نمو الربع الرابع من العام 2025 هل يحمل دلالات اقتصادية ؟
تشير بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع من عام 2025 إلى تسجيل الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بنسبة 3%، مقارنة مع 2.6% في الفترة نفسها من عام 2024. ورغم أن هذا التحسن يبدو محدوداً من حيث الرقم فمعدلات النمو خلال العام الماضي حققت خلال الارباع الثلاثة الاولى النسب 2.7% للربع الاول و2.8% للربع الثاني والثالث. إلا أن الدلالات تتجاوز الارقام، إذ تعكس طبيعة النمو المتحقق وتحولاته أهمية أكبر من مستواه الكمي، خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية المعقدة التي تواجه المنطقة.
اللافت في بيانات الربع الرابع أن النمو لم يكن محصوراً في قطاع واحد، بل جاء واسع القاعدة، حيث سجلت معظم الأنشطة الاقتصادية أداءً إيجابياً. إلا أن الأهم يتمثل في أن هذا النمو بدأ يستند بشكل متزايد إلى قطاعات إنتاجية حقيقية، وهو ما يعزز من جودته واستدامته. فقد أسهمت الصناعة التحويلية بما مقداره 0.87 نقطة مئوية من أصل 3%، تلتها الزراعة بـ0.46 نقطة، ثم التعدين بـ0.24 نقطة، إضافة إلى مساهمة قطاع الكهرباء بـ0.12 نقطة مئوية. وبذلك، فإن ما يزيد على 56% من النمو الكلي جاء من قطاعات إنتاجية، وهو تطور نوعي في بنية الاقتصاد.
ضمن هذا السياق، تبرز الصناعة التحويلية بوصفها المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، ليس فقط بسبب مساهمتها الأكبر، بل أيضاً لوزنها النسبي المرتفع الذي يبلغ 17.3% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تسجيلها نمواً بنسبة 5.2%، فإن هذا القطاع يواصل تأكيد دوره المركزي في دفع النشاط الاقتصادي، لما يمتلكه من قدرة على خلق قيمة مضافة، وتحفيز سلاسل التوريد، وتعزيز الصادرات، وتوليد فرص العمل.
في المقابل، سجل قطاع الزراعة أعلى معدل نمو بلغ 7%، يليه قطاع التعدين بنسبة 6.9%، ما يعكس ديناميكية واضحة في هذه الأنشطة. إلا أن هذا الأداء، رغم أهميته، يبقى عرضة لعوامل خارجية، سواء المرتبطة بالظروف المناخية في حالة الزراعة، أو تقلبات الأسعار العالمية في حالة التعدين. لذلك، فإن دور هذه القطاعات يظل مهماً في دعم النمو، لكنه أقل استقراراً مقارنة بالصناعة التحويلية.
من جهة أخرى، تكشف البيانات عن تباطؤ نسبي في بعض القطاعات ذات الوزن الكبير في الاقتصاد. فقد سجل قطاع الأنشطة العقارية، الذي يشكل 11.5% من الناتج المحلي، نمواً محدوداً لم يتجاوز 0.7%، كما نما قطاع الإدارة العامة، الذي يمثل 9.2% من الاقتصاد، بنسبة 1.7% فقط. ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من هيكل الاقتصاد لا يزال ينمو بوتيرة بطيئة، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو أعلى.
أما القطاعات الخدمية الأخرى، مثل التجارة والنقل والخدمات المالية، فقد حققت أداءً متوسطاً، وأسهمت في دعم النمو، لكنها لم تكن المحرك الرئيسي له خلال هذه الفترة. وهذا يعزز من دلالة التحول التدريجي في هيكل النمو نحو القطاعات الإنتاجية، وهو تحول إيجابي إذا ما تم البناء عليه وتعزيزه في المرحلة المقبلة.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يمكن القول إن الاقتصاد الأردني أظهر قدراً من المرونة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية، بما في ذلك تداعيات الحرب على غزة والتوترات الجيوسياسية في المنطقة خلال عام 2025. إلا أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب سياسات أكثر تركيزاً على القطاعات التي أثبتت قدرتها على توليد النمو.
إن القراءة التحليلية لهذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن النمو الاقتصادي في الأردن بدأ يتجه الى توسيع القاعدة الإنتاجية الحقيقية والتي أسهمت بأكثر من نصف النمو المتحقق، تقودها الصناعة التحويلية، تليها الزراعة والتعدين. كما تؤكد الارقام أن قطاعي الصناعة والزراعة يشكلان الرافعة الأهم لتسريع النمو مستقبلاً. وعليه، فإن ما نؤكد علية دائماً أن تعميق هذا المسار يتطلب سياسات واضحة تركز على دعم الاستثمار الإنتاجي، من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة الطاقة، وبناء المهارات، بما يعزز القدرة التصديرية ويقود إلى نمو أعلى.