الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : صراع الإرادات ورسم السيادة في الإقليم العربي

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : صراع الإرادات ورسم السيادة في الإقليم العربي
أخبارنا :  

بينما تنقشع أعمدة الدخان فوق المنشآت الحيوية في المنطقة إثر المواجهات العسكرية غير المسبوقة، يجد الإقليم نفسه أمام لحظة الحقيقة الكبرى. لقد فرضت الحرب الحالية واقعاً جديداً يتجاوز لغة القصف. هذا الواقع يعيد صياغة دور الخليج العربي كمرتكز للاستقرار العالمي، ويجدد وضع القضية الفلسطينية في قلب الأحداث كشرط طبيعي لأي سلام مستدام.

ستتحول دول الخليج العربي في اليوم التالي لهذه الحرب إلى اللاعب الإقليمي الأهم في رسم التوازنات، حيث إن هذه الدول ستسعى لتفعيل منظومة أمنية عربية وإقليمية تحمي السيادة بعيداً عن صراعات القوى الكبرى. فالمستقبل يشير بوضوح، إلى أن بعد هذا الصمود الاستثنائي وقت الحرب، ستعمق دول الخليج حضورها كقطب مالي وتكنولوجي ولوجستي عالمي، ولن تكون ساحة للمساومات مهما كانت أطرافها. وكذلك ستقوم هذه الدول بدور مركزي لانتشال المنطقة من حطام الحرب؛ مما سيمنحها ثقلاً سياسياً متجددا يفرض نفسه على الساحة الدولية، ويسد بحكمة وحزم الفراغ الذي ستتركه إيران وحلفاؤها في المنطقة. وهنا، سيكون الأردن من أقوى الشركاء لدول الخليج في رص الصفوف والعبور إلى خارطة جيوسياسية جديدة وفاعلة.

وفي وسط هذا الصخب العسكري، يشكل الموقف الأردني الثابت، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، تذكيرا مهما لكل العالم بأن لا سلام دون عدالة؛ لأن فلسطين تبقى في جوهر الصراع وبوابة للحل.

بعد هدوء الجبهات، سيدرك الجميع أن أمان الإقليم يبدأ من إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، متناسقا مع حفظ أمن وازدهار الخليج العربي.

هناك رؤية تقول إن التنمية في الإقليم ستعتمد على مثلث ذهبي جديد من التكامل الاقتصادي؛ اذ تلوح الفرصة نحو تشكيل كتلة اقتصادية قوية تضم دول الخليج والأردن مع الدولة الفلسطينية المرتقبة. يبدأ ذلك بالربط اللوجستي، وإعادة الإعمار، ويمتد إلى الأمن القومي الشامل من تكامل في ملفات الغذاء، والمياه، والطاقة المتجددة، لتقليل الارتهان للتقلبات السياسية الدولية. هذا المثلث مرشح للتوسع، بعد أن يثبت جدواه، ليشمل دولا أخرى في الإقليم تنضم تباعا من أجل مصلحة الجميع.

إن قوة وصمود الخليج العربي اليوم هي قوة للأردن وفلسطين، وتحويل المنطقة من ساحة للصراع إلى ميدان للتنمية هو الرد الحقيقي على دمار الحروب.

إننا في الأردن، ونحن نراقب هذه التحولات العاصفة، نؤكد أن بوصلتنا ستبقى واضحة بوعي شعبنا وحكمة قيادتنا. إن اليوم التالي للحرب يجب أن يكون يوم السيادة العربية بامتياز، يوما تنتهي فيه أحلام التوسع الإقليمي على حساب مصالحنا، ويُرفع فيه العلم الفلسطيني بعنفوان واستقلال على مآذن وكنائس الضفة الغربية وغزة، مدعوماً بعمق خليجي قوي وأردن صامد لا يلين.

ليست هذه تمنيات، بل استراتيجييات واقعية لا بد من العمل عليها والتحضير لها بقوة حتى قبل ان تضع الحرب اوزارها. علينا الانتقال من ردود الافعال الى الفعل الواعي المبادر والمستقل.

الأردن وفلسطين ودول الخليج العربي تملك طاقات هائلة آن أوان استغلالها بحكمة وقوة. القرار الذاتي هو حجر الأساس في التنمية. لا يمكن إنكار التداخلات العالمية الجارفة، ولكن روح المبادرة والعمل الدؤوب هي مقومات امتلاك زمام المبادرة. هذه هي النواة المأمولة في العمل العربي المشترك، وعندما تنجح ستكون مفتاحا لعمل عربي أوسع، ومحفزا إقليميا إيجابيا على التنمية والازدهار.

مواضيع قد تهمك