سمر الصوالحي : تعزيز دور الشباب في تنفيذ القرار 2250.. مفتاح الأمن المستدام
لا يختلف اثنان على أن الشباب هم ثروة الأمم الحقيقية، وأن أي استثمار في طاقاتهم هو استثمار في المستقبل، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: هل نحن نتعامل مع هذه الثروة بوصفها شريكاً أساسياً في صنع القرار، أم ما زلنا ننظر إليهم كفئة تحتاج إلى التوجيه والرعاية فقط؟
منذ أن تبنى مجلس الأمن قراره رقم 2250 قبل عشر سنوات، حدث تحول جوهري في النظرة الدولية للشباب، لم يعودوا مجرد ضحايا للنزاعات أو مصدراً للعنف، بل أصبحوا فاعلين رئيسيين في بناء السلام ومنع الصراعات، لكن الأهم من هذا التحول النظري هو كيفية ترجمته على أرض الواقع
فالمسألة ليست في القرارات الدولية بقدر ما هي في الإرادات المحلية، فكم من قرارات أممية ظلت حبيسة الأدراج لأنها لم تجد من يتبناها على المستوى الوطني؟ وكم من استراتيجيات رسمية فشلت لأنها صُنعت دون مشاركة حقيقية من الفئة المستهدفة؟
عند الحديث عن تعزيز دور الشباب، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم: هل الآليات الحالية للتمكين والإشراك قادرة على تحقيق هذا الهدف؟ أم أننا بحاجة إلى مراجعة جادة تتجاوز الفعاليات الاستهلاكية والورش التي تبدأ وتنتهي دون أثر حقيقي؟
المتابع للشأن الشبابي يلاحظ أن كثيراً من البرامج الموجهة للشباب تعاني من مشكلة التكرار في المستفيدين، مما يعني أن الفئات الأكثر احتياجاً لا تصلها هذه البرامج، كما أن بعض المؤسسات تحولت إلى ساحات تنافسية تهمها الأرقام والحضور أكثر مما يهمها جودة المخرجات
وهنا يأتي دور وزارة الشباب والمؤسسات المعنية بمراجعة هذه الآليات، وفتح المجال لشراكات حقيقية مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بحيث تكون عملية التمكين شاملة وعادلة
قرار 2250 لم يأت من فراغ، بل جاء إدراكاً من المجتمع الدولي بأن هناك علاقة عضوية بين تمكين الشباب واستقرار المجتمعات، فالشباب الذين يشعرون بأن لهم صوتاً مسموعاً ومكاناً في صنع القرار هم الأكثر حرصاً على حماية هذا القرار، والأكثر قدرة على مواجهة خطابات التطرف والعنف
في الأردن، الذي كان له دور ريادي في إقرار هذا القرار، تم إطلاق الخطة الوطنية لتفعيل القرار 2250 للسنوات 2025-2027، وهي خطة طموحة تهدف إلى ترجمة الالتزامات الدولية إلى مشاريع وطنية ملموسة، لكن نجاح هذه الخطة مرهون بمدى مشاركة الشباب في تنفيذها ومتابعتها، وليس فقط في مرحلة التشاور التي سبقت إطلاقها
تجربة الأردن في ملف الشباب والسلام والأمن تحمل الكثير من الإيجابيات التي يمكن البناء عليها، فالائتلاف الوطني الأردني لشباب 2250 الذي تكون قبل سنوات ما زال يشكل منصة مهمة للشباب للمشاركة في صياغة السياسات،كما أن الشراكات مع المؤسسات الدولية مثل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) أسهمت في بناء قدرات آلاف الشباب في مجالات الحوار والوساطة وبناء السلام.
لكن هذه التجربة تحتاج اليوم إلى التوسع والانتشار، بحيث لا تبقى حكراً على فئة معينة أو محافظات بعينها. فالشباب في المحافظات البعيدة عن العاصمة يحتاجون إلى فرص مماثلة، وإلى قنوات تواصل حقيقية تصل أصواتهم إلى صناع القرار.
ما يميز المرحلة الحالية هو الانتقال من مرحلة الالتزام السياسي إلى مرحلة قياس النتائج. فلم يعد مقبولاً أن نكتفي بتصريحات النوايا أو الخطط التي تظل حبيسة الأدراج، المطلوب اليوم مؤشرات أداء واضحة، وآليات متابعة دقيقة، ومشاركة فاعلة للشباب في تقييم ما يتم إنجازه.
وهنا يبرز دور الإعلام في تسليط الضوء على قصص النجاح والتحديات على حد سواء. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو شريك في تشكيل الوعي وتعزيز ثقافة المشاركة، عندما يرى الشباب نماذج حقيقية من أقرانهم استطاعوا أن يؤثروا في مجتمعاتهم، فإن ذلك يحفزهم على المبادرة وعدم الانتظار.
تعزيز دور الشباب في تنفيذ القرار الأممي 2250 ليس ترفاً فكرياً أو موضة عابرة، بل هو ضرورة وطنية تمس حاضر ومستقبل الأردن، فالشباب الذين نشهدهم اليوم في الجامعات ومراكز التدريب وورش العمل هم من سيقودون هذا الوطن غداً، وكلما كانت مشاركتهم اليوم حقيقية وفاعلة، كان غدهم أكثر أماناً واستقراراً.
نطمح إلى أن نرى شبابنا في مراكز القيادة، وفي مواقع صنع القرار، وفي مقدمة المبادرات المجتمعية، ليس لأنهم يستحقون ذلك فقط، بل لأن سلامة مجتمعاتنا واستقرارها مرهونة بوجودهم الفاعل. فالاستثمار في الشباب ليس خياراً، بل هو السبيل الوحيد لبناء مستقبل نريده جميعاً.