د. يوسف منصور : إذا طال أمد الحرب
أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وتسببت بخسائر بشرية وبيئية فادحة، ونتج عنها أحد أكبر تقلبات أسعار النفط المسجلة على الإطلاق. ومع تداعيات هذه الحرب التي تتردد أصداؤها في أسواق الأسهم العالمية وتدفع الحكومات إلى زيادة الاقتراض، يجب على صانعي السياسات إدراك أن هذا النوع من صدمات الطاقة ليس أزمة معزولة وقصيرة الأجل، بل هو واقع جديد، والسؤال الحقيقي ليس عمّا سيحدث، بل عن مدى استعدادنا إن حدث.
ففي خضم التوترات الإقليمية، يكثر الحديث عن الحرب وتأثيراتها، لكن السؤال الاقتصادي الأهم للأردن ليس عسكريًا، بل مالي بامتياز: كم تستطيع الموازنة أن تتحمل إذا طال أمد الأزمة؟
حتى الآن، لا يواجه الأردن أزمة توافر الطاقة. الكهرباء مستمرة، والإمدادات لم تنقطع. لكن التحدي الحقيقي يكمن في كلفة هذه الطاقة. فالتقديرات الرسمية تشير إلى أن الحكومة تتحمل كلفة إضافية في قطاع الطاقة تتراوح بين 2.5 و3 ملايين دينار يوميًا، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والاضطرار للتحول إلى بدائل أغلى لتوليد الكهرباء.
هذا الرقم، بالرغم من بساطته الظاهرية، يعني (وحسب الأسعار الحالية للنفط والغاز) أن كل يوم إضافي من الحرب يضيف عبئًا مباشرًا على المالية العامة في الأردن. وإذا تُرجم إلى أفق زمني، فإن شهرًا واحدًا فقط يعني نحو 90 مليون دينار، وقد يصل الرقم إلى 270 مليون دينار خلال ثلاثة أشهر، ويتجاوز نصف مليار دينار إذا امتدت الأزمة لنصف عام ولم ترتفع كلف الطاقة أكثر من مستواها الحالي.
لكن الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن السياق. فالأردن يدخل هذه الأزمة وهو أصلًا يعمل ضمن حيز مالي محدود، مع عجز في الموازنة يقارب 5% من الناتج المحلي الاجمالي، ودين عام يدور حول 88% من الناتج (دون احتساب الاقتراض من صندوق الضمان الاجتماعي). وهي أرقام قابلة للإدارة في الظروف الطبيعية، لكنها تصبح أكثر حساسية عند حدوث صدمات خارجية.
لفهم الصورة بشكل أدق، لا بد من النظر إلى السيناريوهات المحتملة لاستدامة الحرب عملا بمبدأ "إذا أردت أن تتوقع، فتوقع كثيراً". التقدير الأقرب حاليًا هو أن الحرب لن تكون قصيرة جدًا، ولا شاملة بالكامل، بل ستأخذ شكل تصعيد محدود ممتد. هذا السيناريو، الذي يمكن أن يستمر بين شهرين وأربعة أشهر، يحمل احتمالًا يقارب 50 إلى 60%، وهو ما تُبنى عليه معظم القراءات الاقتصادية الدولية.
في هذا السيناريو، يمكن أن ترتفع كلفة الطاقة الإضافية إلى نحو 270 مليون دينار خلال ثلاثة أشهر، مما قد يدفع العجز إلى حدود 5.5% أو أكثر، ويرفع نسبة الدين تدريجيًا. كما يُتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي إلى ما بين 1.8% و2.1%، نتيجة ارتفاع الكُلف وتراجع بعض القطاعات، خاصة السياحة.
أما إذا كانت الأزمة قصيرة (شهر واحد مثلًا) فإن الأثر يبقى محدودًا نسبيًا. يرتفع العجز قليلًا، ويتباطأ النمو بشكل طفيف، لكن الاقتصاد يستطيع امتصاص الصدمة. هذا السيناريو يحمل احتمالًا أقل، بحدود 25 إلى 30%.
في المقابل، يبقى هناك سيناريو أكثر سلبية، يتمثل في توسع إقليمي للحرب واستمرارها لفترة أطول. هذا السيناريو، رغم أن احتماله أقل (15 إلى 25%)، إلا أن أثره أكبر بكثير. فقد يرتفع العجز إلى 6% أو أكثر، ويقترب الدين من 90% من الناتج، مع تباطؤ النمو إلى حدود 1% أو أقل.
وهناك سيناريو أخير، أقل احتمالًا لكنه الأكثر كلفة، وهو الحرب الطويلة والشاملة. في هذه الحالة، قد يتجاوز العجز 7%، ويقترب الدين من 91% أو أكثر، مع نمو ضعيف جدًا أو شبه صفري. لكن هذا السيناريو ما يزال بعيدًا عن التوقعات الأساسية في الوقت الحالي.
ما الذي تُعنيه هذه السيناريوهات عمليًا؟ تُعني أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الرقم اليومي (3 ملايين دينار) بل في تراكم هذا الرقم عبر الزمن. فشهر واحد يعني ضغطًا ماليًا يمكن احتواؤه، وثلاثة أشهر تعني ضغطًا اقتصاديًا واضحًا، أما ستة أشهر أو أكثر، فقد تعني تحولًا في مسار المالية العامة.
في هذا السياق، يمكن فهم قرار الحكومة بعدم تمرير ارتفاع الأسعار مباشرة إلى المواطنين. فهذا القرار يحمي الطلب المحلي، ويمنع انتقال التضخم بسرعة إلى الاقتصاد، ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي. لكنه في المقابل يعني أن الدولة تقوم عمليًا بتأجيل الكلفة بدل إلغائها. وهنا تكمن المفارقة، نجاح الحكومة اليوم في حماية المواطن من ارتفاع الأسعار، يقابله ضغط متزايد على الموازنة في المستقبل.
هل هذا القرار صحيح؟ في الأزمات، غالبًا نعم. لأن تمرير الصدمة فورًا قد يؤدي إلى تضخم حاد وتباطؤ اقتصادي أكبر (ركود تضخمي)، لكن هذا الخيار لا يمكن أن يستمر طويلًا دون كلفة فالامر يتطلب مرونة اقتصادية: تغييرًا ليس فقط في أنواع الطاقة التي نستهلكها، بل أيضًا في كيفية ومكان ومن يقوم بإنتاج السلع.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في دفع الكلفة، بل في إدارتها، أي كيف يمكن توزيعها عبر الزمن، وتخفيف أثرها، وتقليل تكرارها مستقبلاً؟ في النهاية، لا يواجه الأردن أزمة طاقة، بل أزمة أسعار، وهذا فرق جوهري. الأزمة الأولى تعني توقف الاقتصاد، أما الثانية فتعني ضغطًا ماليًا يمكن التعامل معه، لكن بحذر، فالحروب لا تُخاض فقط في ساحات المعارك، بل تُموَّل في الميزانيات ويُشعر بها في الأسعار.
الرسالة الأهم التي يمكن قولها اليوم هي: الوضع تحت السيطرة من حيث توفر الطاقة، لكنه مكلف ماليًا، وكلما قصرت مدة الأزمة، بقي أثرها محدودًا. أما إذا طالت، فإن السؤال سيتغير من: كم نخسر يوميًا؟ إلى: كم يمكن أن نتحمل قبل أن نغيّر السياسات؟