الأخبار

بشار جرار : شدّ الحزام

بشار جرار : شدّ الحزام
أخبارنا :  

تختلف بعض القوانين في بلاد العم سام ، ليس بين الولايات الخمسين فحسب، بل وبين مقاطعات الولاية عينها.

فرجينيا، ولايتي التي أمضيت فيها زهاء ربع قرن، من أكثر الولايات الأمريكية تشددا وحزما في قوانين السير. لا تهاون فيما يعرف بظاهرة «غضب الطريق». يتعرف ويتعلم وإن لزم الأمر يتم تدريب السائق قبل منحه رخصة القيادة، على الفارق بين القيادة السليمة وبين تلك المتهورة أو العدائية. عدم ترك مسافة الأمان مخالفة، وكذلك الدخول من الجهة أو الطريقة أو التوقيت الخاطئ إلى مسرب (حارة) من يشارك الطريق. حتى إطلاق الزامور ثمة مخالفة للإفراط أو العدائية في إيقاعه! القيادة العدائية مثلا كفيلة بحرمان من يملك منحة -وليس حقا- الإقامة الدائمة، فرصة اكتساب الجنسية. فالقيادة العدوانية جنحة وقد تصير جريمة إن أفضت إلى الموت.

طبعا القيادة تحت التأثير السلبي على السائق، لا ينحصر فقط بالسموم المسماة المخدرات، ولا بالمشروبات المسماة على نحو جائر بالروحية، فمشروبات الطاقة المصطنعة التي تؤدي إلى انهيار السائق فجأة، وربما قتله بذبحة قلبية أو جلطة، تعتبر أيضا مخالفة. يضاف إليها مرض شائع لكنه مُتجاهَل للأسف، من قبل كثيرين في العلاج والوقاية والتوعية، ألا وهو حرمان النوم أو سوء نوعيته. تلك مسألة في غاية الخطورة، بحيث يتم فحص كباتن الطائرات وسوّاقي الشاحنات الثقيلة دوريا، وعلى نحو مفاجئ، للتحقق من خلو الدم من المخدرات والنسب العالية من الكحول، إضافة إلى ضرورة اجتياز فحص النوم الكافي والصحي.

موضوعنا إضافة إلى ما تقدم، هو مخالفة حزام الأمان. هناك شعار في ولاية فرجينيا يقول: تحزّم تحت طائلة المخالفة، يعني تحزّم وإلا.. «كْلِكِتْ أور تِكِتْ»!

الاعتماد على الوعي والنخوة والفزعة هو الأصل في مجتمعنا الأصيل. لكن الأمر يتطلب شعارات تستفز البعض ولا بأس إلى حد الإحراج، حتى يتم تعديل السلوك المطلوب لدى فئة قليلة جدا، ولا نحسن إلا الظن في أنفسنا والناس كافة.

تطلّب الأمر لإيقاف قذارة سلوكيات البعض في إلقاء القاذورات والمهملات في الشارع والمرافق العامة بما فيها السياحية والمراكز الحدودية التي هي وجهنا الحضاري أمام العالم، تطلّب استخدام عبارة «عيب» وبالعامية «استحي».. وكم أعجبتني تلك الفيديوهات القصيرة التي راعت حتى خصوصية المذنبين الشخصية، في إظهارهم بالجرم المشهود أثناء إلقاء المهملات عمليا «في وجوهنا جميعا». شكرا لنشامى الأمن العام البواسل، والإعلام الأردني الوطني الذي نشر ما رصدته كاميرات رقابة السير.

وبالقياس «على المسطرة» عينها، كم كان معبّرا ومؤثرا ذلك القرار الحكومي الرشيد بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق بكل ما تضمنه من تفاصيل، بما فيها الوقود المخصص للمركبات الحكومية واستخدام التدفئة في الوزارات والمؤسسات الحكومية.

شد الحزام فيه الأمان.. فيه أمننا الاقتصادي الذي هو جزء من أمننا الاجتماعي. وبالتالي هو -كما في القيادة الآمنة أعلاه- بحاجة إلى أكثر من حزام أمان. بحاجة للشد ولفرض عقوبات، أو لنقل طرح محفزات لمن قام بوضع حزام الأمان وشدّه لما فيه سلامة الفرد والأسرة والمجتمع بأسره.

أعود مرة أخرى إلى بعض تفاصيل قوانين السلامة العامة في قيادة السيارة، خارجها وداخلها أيضا. فمما تعلمته من القوانين والثقافة الأمريكية كأب، وضعية مقاعد الأطفال. بعضها يوافق اتجاه السائق وبعضها يكون في خلافه بمعنى وجه الطفل إلى الخلف (عكس السير). المسألة ليست مجرد حزام أو أحزمة يتم شدها، للمقعد أيضا دوره في تعظيم فرص الأمان. والأمر مرتبط ليس بعمر الطفل وحده، بل بوزنه. العقاب أو التحفيز لتعديل السلوك لا يقف عند صورة يتم ضبطها عبر كاميرات السير، ولا حتى المخالفة المالية، ولا سحب رخصة القيادة، فقد تصل الأمور إلى سحب الوصاية عن الطفل، أن تبيّن أن أحد والديه أو صاحب الوصاية عليه لا يراعي أمنه وأمانه. وقلة الدخل أو حتى الفقر هنا، ليس بمعيار على الإطلاق، فلا عذر لعدم استخدام المقعد المناسب للطفل، فكيف يكون الحال إن أراد أب (أرعن) اللهو بطفله بأن يخرج رأسه من النافذة العليا للسيارة «الفارهة» أو يتركه يلهو في «البكب»، متشبثا من الناحية النظرية بحافته، وقد كتب عليها الأب-السائق: «عين الحاسد تُبلى بالعمى» أو «الجنة تحت أقدام الأمهات»!!

شد الحزام يتطلب شيئا من الفطام. ثمة حاجة إلى إعادة النظر بالعلاقة بين العائل والمعيل. دور الحكومة كما البرلمان بجناحيه ليس الإعالة، بل القيادة.. قيادة المستهلك -عبر محفزات أولا وعقوبات إن لزم الأمر- قيادته وإعانته على ضبط نفقاته وترشيدها، لما فيه مصلحة أهل بيته أولا ودائما. فالوطن بيتنا جميعا، ولهذا نصلي دائما بأن يحفظ الله الدار والديرة.

مواضيع قد تهمك