الأخبار

أ. د. صلاح العبادي : الأيام المفصليّة

أ. د. صلاح العبادي : الأيام المفصليّة
أخبارنا :  

تتحدث إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مفاوضات مع إيران من جهة، وتهديدات بضرباتٍ مدمّرة من جهةٍ أخرى.

 

في خطوةٍ أقرب إلى إعادة ضبط ساعة الحرب منه إلى إيقافها، جاء قرار الرئيس ترامب منح طهران مهلة عشرة أيام حتى السادس من شهر نيسان المقبل قبل استهداف منشآت الطاقة إذا لم تلتزم بخيار التفاوض وفتح مضيق هرمز.

الرئيس ترامب قال إنّ نجاح أيّ مسعى تفاوضي مع إيران غير مضمون، لكنّه أشار إلى أنّ المحادثات تسيرُ بشكلٍ جيدٍ جدًا. وفي الوقت نفسه لم يخفِ النفي الرسمي للسلطات الإيرانيّة للتفاوض وما تفعله خلف الكواليس.

في مقابل ذلك تنفي طهران التفاوض مع واشنطن رغم وجود مؤشراتٍ عديدة على المفاوضات.

أمرٌ يطرح تساؤلٍ حوّل إذا كان ذلك تكتيكًا متعمدًا يتبعه النظام الإيراني أم يعكس تشتتًا في أجنحته المختلفة؟!.

وخلف لغة النفي هذهِ التي يتبعها النظام الإيراني تكشفُ المعطيات واقعًا أكثر تعقيدًا إذ تتناقض المواقف الإيرانيّة المعلنة، مع تحركاتٍ ميدانيّة؛ أبرزها السماح بمرور عددٍ محدودٍ من ناقلات الوقود عبّر مضيق هرمز. هي خطوة رمزيّة وصفها الرئيس ترامب بالهديّة تبرز تباينًا واضحًا بين الخطاب الإيراني المعلن والممارسة، وتعكسُ هشاشة القرار السياسي والعسكري، وحجم التحديات في إدارة الأزمة.

بالتوازي تتصاعد المؤشرات العسكريّة إذ تعملُ واشنطن على تطوير خياراتٍ لما تصفه بضربةٍ قاضية قد تشمل نشر قواتٍ بريّة إلى جانب قصفٍ مدمر.

الرئيس ترامب يدرسُ إرسال عشرة آلاف جنديٍ إضافي إلى الشرق الأوسط.

ومع مرور أربعة أسابيع على الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة الإيرانيّة، ودخول الحرب في يوميها الثلاثين فإنّ خسارة إمدادات النفط من دول الخليج العربي هي خسارة مضاعفة بالنسبة لأسواق الطاقة ودول العالم. الأمر لا يقف فقط عند خسارة نحو عشرين مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطيّة، التي كانت تمُر عبّر مضيق هرمز؛ ولكن يرتبط أيضًا بنوعيّة النفط الذي يعبر المضيق. فمثلًا ستون في المئة من صادرات النفط من دول الخليج هي عبارة عن خامات متوسطة إلى ثقيلة، وهذا النوع من الصعب الحصول على بدائلٍ له. وحتى لو حاولت مصافي التكرير استخدام بدائل أخف وزنًا فهذا يعني ارتفاع تكاليف التشغيل وضرر بالمعدّات المستخدمة في عمليات التكرير، وأيضًا إنتاج كميات أقل من مادة الديزل ووقود الطائرات. ولهذا يشهد العالم أزمة في هذهِ المنتجات.

وعلى سبيل المثال فإنّ مصافي التكرير الآسيويّة كانت تعتمد على الإمدادات القادمة من دول الخليج بنسبة خمسة وستين بالمئة، وصممت في الأساس للتعامل مع النفط الخليجي وليس النفط الآخر القادم من مناطق أخرى في العالم.

استمرار إغلاق مضيق هرمز حاليًا سيجبر مصافي التكرير الآسيويّة على خفض إنتاج النفط الخام، بحوالي ستة ملاميين برميل يوميًا، وستزداد هذهِ الخسائة كلما طال أمدّ الإغلاق.

أمام هذا المشهد المعقّد، أخطأ كلٌ من أطراف الحرب في الحسابات، وباتت منطقة الشرق الأوسط لا بل العالم بأسره تعاني من تبعات هذهِ الحرب التي تورطت فيها الولايات المتحدة الأمريكيّة على يد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بينما بقي النظام الإيراني يركب عناده دون التخلي عن استراتيجياته في دعم وتصدير الوكلاء في المنطقة، للعبث بأمن دول الجوار.

فهل تستثمر إيران الفرصة الجديدة التي منحها إياها الرئيس ترامب ومدّتها عشرة أيام؟ وهل تذهب إيران إلى اتفاقٍ يوقف الحرب؟ أم ستضرب منشآت الطاقة وإغراق إيران في الظلام؟ وهل تقترب إيران من الاستسلام؟ ولماذا لم تتفاعل أسواق النفط والبورصات العالميّة مع تصريحات الرئيس ترامب؟

الخطر الحقيقي اليوم ليس في التصريحات، بل في احتمال توسّع الحرب، ودخول أمريكا بريًا في إيران واستمرار الاعتداءات الإيرانيّة على مرافق النية التحتيّة المدنيّة في دول الخليج، من حقول طاقة وخزانات وقود وموانئ ومطارات، إلى جانب الإغلاق المستمر لمضيق هرمز.

العالم يراقب الحرب في إيران؛ لكنّ فاتورة خسائرها شملت الجميع؛ أسعار الوقود ارتفعت بأكثر من ثلاثين بالمئة في أميركا، وارتفعت بنسبة خمسة وعشرين بالمئة في معظم دول آسيا، وأسعار الغاز تضاعفت ثلاث مرات في أوروبا، يضاف إلى ذلك ستة تريليونات دولار خسرتها أسواق الأسهم والسندات العالميّة في أول عشرين يومًا من الحرب، وملايين الأشخاص حول العالم مهددون بالدخول في الفقر، والملايين مهددون بخسارة وظائفهم.

الأيام المقبلة تبدو مفصليّة؛ فهمي تحملُ التهدئة المؤقتة التي تفرضها الدبلوماسيّة؟ أو تصعيدٌ واسع يعيدُ رسم مشهد المواجهة في المنطقة؟!..

مدير مركز الرّأي للدراسات والأبحاث والتدريب

مواضيع قد تهمك