الأخبار

اسماعيل الشريف : في عيد الدستور.. دعم وسائل الإعلام

اسماعيل الشريف : في عيد الدستور.. دعم وسائل الإعلام
أخبارنا :  

الإعلام يُستخدم لتشكيل صورة العالم وفقًا لمن يسيطر عليه - إدوارد سعيد.
عزيزي القارئ، سأحدثك عن واحدة من أكبر وأقوى المؤسسات الإعلامية في العالم، وغالبا أنك لم تسمع بها من قبل. وحتى لا أبدو متباهيًا، أعترف بأنني أنا أيضًا لم أكن أعرفها، إلى أن صادفت تقريرًا يتناول عملها؛ فاستوقفني الأمر ودفعني إلى البحث عنها والتعرّف إلى طبيعة هذا الكيان الذي يعمل في الظل، لكنه يمتلك تأثيرًا عالميًا كبيرًا.
إنها : مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، وهي شبكة دولية للصحافة الاستقصائية تأسست عام 2006، وتضم صحفيين ومؤسسات إعلامية من دول متعددة. وتتمثل مهمتها في كشف شبكات الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود عبر تحقيقات صحفية معمقة، وتعقّب مسارات الأموال غير المشروعة، وكشف خيوط النفوذ التي تربط بين رجال الأعمال والسياسيين والجماعات الإجرامية.
أما أكبر ممول لهذا المشروع فهي وزارة الخارجية الأمريكية؛ إذ تشير البيانات إلى أن حكومة الولايات المتحدة موّلت ما يقارب 52% من ميزانيته خلال تلك الفترة، إلى جانب مساهمات من دول أوروبية أخرى حليفة لواشنطن.
انطلق هذا المشروع عام 2008 بالتعاون مع كبرى الصحف الأمريكية والعالمية، ليقود نشر تحقيقات صحفية ذات صدى دولي تخدم السياسات الأمريكية وتستهدف خصومها. ومن أبرز ما نشره ما عُرف بـ«وثائق بنما»، وهي تسريبات واسعة النطاق تناولت قضايا مالية دولية، جرى توظيفها للإساءة إلى سوريا عبر الحديث عن عمليات غسل أموال يُزعم أنها جرت هناك، كما كشفت عن أصول مالية للرئيس الروسي وعدد من المقربين منه.
ولا يُخفي مسؤولون أمريكيون أن المشروع، في جوهره، يخدم الأهداف السياسية للولايات المتحدة، وإن قُدِّم للرأي العام تحت عناوين جذابة مثل مكافحة الفساد وتعزيز الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان. بل إن هذا النوع من الأدوات يُستخدم حتى داخل الساحة الأمريكية نفسها، إذ يمكن أن يتحول إلى وسيلة لاستهداف سياسيين أمريكيين وتشويه سمعتهم إذا رأت مراكز النفوذ أنهم باتوا يضرون بمصالح الولايات المتحدة أو أصبح التخلص منهم ضرورة سياسية.
لقد لعبت مؤسسات من هذا النوع دورًا بارزًا في تكريس الانحياز الصارخ لوسائل الإعلام خلال أحداث طوفان الأقصى، حيث جرى تضخيم الرواية الصهيونية وإبراز القصص الإنسانية -للإسرائيليين-، مقابل تهميش معاناة الشعب الفلسطيني أو تجاهلها. كما اعتمدت هذه التغطيات على لغة منحازة في توصيف الأحداث؛ فوصفت عمليات المقاومة بـ«الهجوم»، بينما قدّمت العدوان الصهيوني الذي بلغ حد الإبادة الجماعية على أنه «ردة فعل». وفي الوقت نفسه جرى تغييب السياق التاريخي للصراع، بما في ذلك الحصار الخانق المفروض على غزة وسياسات التجويع والاستهداف المتواصلة التي مهدت لانفجار الأحداث. وإلى جانب ذلك غالبًا ما تُقصى وجهات النظر الفلسطينية من المشهد الإعلامي، ليبقى المجال مفتوحًا في الغالب للرواية الصهيونية وحدها، وكأنها التفسير الوحيد لما يجري.
وفي مقابل هذا المشهد، يبرهن إعلامنا خلال أحداث طوفان الأقصى، كما في الحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية الدائرة اليوم، وفي سائر القضايا المحلية والقومية، أنه إعلام ملتزم وواعٍ وطني عروبي ينسجم مع توجهات نظامه السياسي ومؤسساته. ومن خلاله يكتب الكُتّاب وأنا واحد منهم ويعبّرون عن آرائهم بحرية كاملة دون تدخل أو توجيه.
وتُعد صحيفة الدستور جزءًا أصيلًا من هذا الإعلام الوطني الملتزم؛ فمنذ اللحظة الأولى لتأسيسها وهي منحازة لقضايا الوطن ومدافعة عنها. فقد وُلدت عام 1967 في زمن كان فيه المدّ الناصري في ذروة حضوره، حتى غدا انتقاد الرئيس جمال عبد الناصر أمرًا يكاد يكون محرّمًا؛ إذ كان من يجرؤ على ذلك يُوصم فورًا بالعمالة ويُدرج في صفوف الأنظمة الرجعية. ومع ذلك لم تتخلَّ الصحيفة عن نهجها المهني؛ فنشرت أخبارًا ومقالات تناولت التجربة بالنقد، لا بدافع الخصومة مع الناصرية، بل انطلاقًا من التزامها بكشف الحقائق وإتاحة المجال لعرض وجهات النظر المختلفة.
وحين عادت العلاقات بين الأردن ومصر إلى مجاريها الطبيعية، كان من بين ما عاتب عليه الرئيس جمال عبد الناصر المغفور له جلالة الملك الحسين نهج صحيفة الدستور؛ غير أن جلالة الملك دافع عنها وعن حرية الصحافة في الأردن، مؤكدًا أن الإعلام الحر جزء أصيل من نهج الدولة ومؤسساتها.
ولا تزال صحيفة الدستور وزميلاتها، حتى يومنا هذا، مرآة تعكس وجهة النظر الأردنية، ومنبرًا يدافع عن قضايا الوطن والأمة، وصوتًا يعبّر عن الشارع الأردني بأطيافه المختلفة. غير أنها شأنها شأن معظم الصحف في العالم تواجه ضغوطًا مالية متزايدة تفرضها التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام.
ولا يمكن إنكار الدور الذي لعبته حكوماتنا المتعاقبة في دعم الصحف، ولو بصورة غير مباشرة، من خلال الإعلانات الحكومية والقضائية التي شكّلت موردًا مهمًا لاستمرارها. وعندما واجهت بعض الصحف الوطنية شبح التوقف، بادرت الدولة إلى توفير قروض مالية تساعدها على البقاء والاستمرار، مع حرصها في الوقت ذاته على ألا تتجاوز هذا الحد من الدعم حتى لا تُتَّهم بالتدخل في عمل الصحافة أو التأثير في استقلاليتها.
وفي ذكرى تأسيس صحيفة الدستور يُحسب لمجالس إدارتها المتعاقبة ولإدارتها ونهجها التحريري أنهم تمكنوا من تحقيق نجاحات ملموسة أسهمت في إخراج الصحيفة من عنق الزجاجة وتمكينها من الوفاء بالتزاماتها والاستمرار في أداء رسالتها.
ولعل من الأفكار التي يمكن أن توفّر دعمًا حقيقيًا للصحف الأردنية إنشاء صندوق خاص لتمويل التحقيقات الصحفية، على غرار مشروع تقرير الجريمة المنظمة والفساد، بحيث يتيح إنتاج تحقيقات مدعومة تعكس توجهات الدولة الأردنية وتدافع عن قضاياها. ولا يعد هذا الطرح أمرًا جديدًا، فثمة صناديق وتجارب مشابهة معمول بها في عدد من الدول العربية الشقيقة.
ويبرّر الساسة الأمريكيون إنشاء مشروع تقرير الجريمة المنظمة والفساد بأنه يهدف أساسًا إلى تمويل التحقيقات الصحفية الاستقصائية التي تتطلب ميزانيات ضخمة تعجز المؤسسات الصحفية عن توفيرها بمفردها. فإذا كانت الولايات المتحدة بما تمثله من مركز للحرية والديمقراطية ووفرة الموارد تلجأ إلى مثل هذه الصناديق لدعم صحافتها وتمكينها من أداء دورها، فلماذا لا نستفيد نحن أيضًا من هذه التجارب ونستنسخ أفكارًا مشابهة تدعم صحافتنا الوطنية وتعزز قدرتها على الاستمرار والتأثير؟

مواضيع قد تهمك