رمزي الغزوي : وردة لأمنا "الدستور"
إذا
كان من أبجديات الحصيدة عند أجدادنا ألا تقف قبالة الحقل المديد وتتحسر
متأففاً: كيف لي أن أحصد كل هذا؟ وأن أجتاز بحر السنابل المتلاطم الذهبية
أمامي. كيف أبدأ ومتى أنتهي؟ بل عليك أن تكفكف عن زندك وتشرع بالعمل بسرعة
التفكير، وأن لا تنظر إلا إلى فم منجلك وهو يجتاح قامات القمح.
عند
البيدر العامر بالغلال ستعرف أن كل قطرة تعب أرقتها لم تذهب هدراً، إنما
هي نجمة في سمائك، هي حبة ستنبت خيراً ينفع الناس ويمكث في الأرض. عندها
سيكون جميلا أن تسند قامتك مرفوع الجبين القاطر عرقاً، كي تجني حصادا آخر:
حصاد الجهد والحياة.
ليس دائماً
ما تكون شهادة الابن بأمه مجروحة أو مواربة، بل يحق لنا أن نحتفي اليوم
بأمنا "الدستور"، وهي تبتهج بسنابل انحنت خيرا وعطاء، بعد مسيرة ستة عقود
من العطاء والنماء للوطن والناس. يحق لنا أن نقف متأملين بيدرنا فرحين بما
قدمه الأوائل إذ خاضوا غمار التجربة غير هيابين أو خائفين ولم يكن في همتهم
الا المضي رغم الصعاب.
اليوم
نتذكر كل من بذر حبة في حقل الدستور، وكل من حصد سنبلة أيضاً، وكل من امتزج
عرقه بثراها. نتذكرهم بكل إباء وافتخار ونتذكر أن الدستور في روح البلد
ونبضها كانت وستبقى. فصباح الخير أيتها الأم الجميلة، صباحك طيب وأنت
تزدهين بسنابلك الذهبية، وتدخلين عامك الواحد والستين أكثر شبابا وحيوية
وأعمق انفتاحاً. صباحك سعيد أيتها السيدة الأم، وأنت تزدادين جمالاً كلما
مشى بك العمر.
عندما تخرجت من
الجامعة بعثت بكتاباتي إلى الملاحق الثقافية، ولم ينشر لي شيء فيها، فكان
لي أن ألجأ إلى بريد القراء في الدستور، بعناية زميلنا المرحوم فوز الدين
البسومي، وعندما زرته لأشكره قال لي ستكون في القريب العاجل كاتب عمو، وكم
من كاتب بدأ أول مشواره من هنا، ففرحت بنبوءته، وعملت من أجلها.
وعندما
قصفت أحياء بغداد في 1996 كتبت قصيدة بعنوان (سيدة هيت) بعثت بها ساخنة
للدستور لتنشر في اليوم التالي على الصفحة الأخيرة فأحسست بمعنى أن تحمل
الحروف الوجع والألم والأم، ومن ذلك الوقت ارتسمت أولى درجات الحلم، لتأتي
الرؤية كاملة عام 2003 حين انضممت كاتباً يومياً على صفحاتها عبر مجرات،
ولتبدأ سعادتي في أجمل مهنة أحبها وأتفانى لأجلها، فكانت سنابل الذهب
أمامي، فشرعت بالعمل لزراعة ما استطعت من خير للناس والحياة.
وردة
كبيرة لأمنا الدستور في ذكرى تأسيسها. ووردة لقرائها، ووردة لكل من قبض
على جمر العمل الحقيقي الذي يمكث في الأرض. وكل عام وبلدنا بخير وأمان.