الأخبار

د. خالد الشقران :جرائم المستوطنين في الضفة الغربية

د. خالد الشقران :جرائم المستوطنين في الضفة الغربية
أخبارنا :  

ما تشهده الضفة الغربية من تصاعد في جرائم واعتداءات قطعان المستوطنين لم يعد قابلا للتوصيف أو اعتباره حوادث متفرقة أو انفلاتا محدودا، بل يشكل تحولا نوعيا في بنية الصراع، حيث يجري توظيف العنف والجرائم المنظمة كأداة سياسية لفرض واقع جديد على الأرض، وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة، في مسار يتجاوز كل الخطوط القانونية والأخلاقية.

الدلالات السياسية لهذا التصعيد عميقة ومقلقة، حيث إن انتقال قطعان المستوطنين إلى ممارسة العنف بشكل واسع ومنهجي يعكس بيئة سياسية تسمح، أو تتغاضى، أو حتى توظف هذا السلوك ضمن استراتيجية أوسع، كما إن غياب الردع من قبل سلطات الاحتلال يعد دليلا ثابتا على تداخل بين الفعل غير الرسمي الذي تمثله قطعان المستوطنين والقرار السياسي الذي يمثله سلوك قوات الاحتلال في توفير الحماية لهذه القطعان خلال ممارستها لهذه الجرائم، بما يحول هذه الاعتداءات إلى امتداد غير معلن لسياسات فرض الأمر الواقع. هذا التحول ينسف أي حديث عن إمكانية ضبط الميدان، ويؤسس لمرحلة يغيب فيها الحد الفاصل بين الحقوق التي تفرضها القوانين والاتفاقيات الدولية، والفوضى المنظمة التي يريدها الاحتلال ويخطط لها بعناية في أراضي الضفة.

على المستوى الميداني، تتخذ هذه الاعتداءات طابعا مركبا يستند إلى سياسات مرسومة مسبقا، فمن حرق المنازل والممتلكات، إلى الاعتداءات الجسدية على المدنيين، واقتلاع أشجار، والإرهاب اليومي الذي يستهدف كسر إرادة السكان ودفعهم نحو الرحيل القسري. هذا النمط من السلوك لا يمكن فصله عن هدف واضح يتمثل في خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، تمهيدا لتكريس واقع استيطاني يصعب تفكيكه مستقبلا، وهو ما يعكس بوضوح سياسة استنزاف بطيء، لكنها عميقة الأثر، تستهدف الإنسان والأرض معا.

قانونيا، تمثل هذه الجرائم تحديا صارخا لمنظومة القانون الدولي الإنساني، خاصة وأن القوة القائمة بالاحتلال ملزمة وفقا للقانون الدولي بحماية السكان المدنيين وضمان أمنهم، وأي تقاعس أو تواطؤ في هذا السياق يرقى إلى مستوى المسؤولية القانونية المباشرة، وعليه فإن استمرار هذه الاعتداءات دون محاسبة يعكس حالة خطيرة من الإفلات من العقاب، ويقوض الثقة في فاعلية القانون الدولي، ويفتح الباب أمام سوابق خطيرة قد تعيد تعريف حدود المسؤولية الدولية في النزاعات.

التداعيات لا تقف عند حدود الضفة الغربية، بل تمتد إلى مجمل الإقليم، حيث إن تصاعد هذا النمط من العنف يهدد بإشعال موجات أوسع من التوتر، ويغذي دوامات من الردود غير المحسوبة، ما يضع المنطقة أمام احتمالات انفجار يصعب احتواؤه، كما أنه يقضي على ما تبقى من فرص لأي مسار سياسي جاد، إذ لا يمكن بناء تسوية في ظل واقع يجري فيه فرض نتائج مسبقة بالقوة، وفرض معادلات جديدة خارج أي إطار تفاوضي.

الأخطر من ذلك هو ما يحمله هذا المسار من دلالات على تآكل مفهوم الدولة والقانون، خاصة وأنه حين تتحول مجموعات غير رسمية إلى أداة فاعلة في رسم الوقائع الميدانية، وتمنح مساحة للعمل خارج المساءلة، فإن ذلك يفتح الباب أمام نموذج قائم على الفوضى المنظمة، ويقوض أسس النظام القانوني، ويعيد إنتاج الصراع في صور أكثر حدة وتعقيدا ستؤثر بالتأكيد بشكل سلبي على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها.

إن استمرار هذا النهج دون ردع حقيقي يعني الانتقال إلى مرحلة يصبح فيها العنف هو القاعدة، والقانون هو الاستثناء، سيقود بكل تأكيد إلى مسار جديد من الصراع يتشكل أمام أعين العالم، ويحمل في طياته مخاطر استراتيجية على مستقبل وشكل وطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكذلك على المسار العام لشكل وطبيعة الصراع العام في المنطقة ككل.

المسؤولية اليوم تتطلب موقفا يتجاوز الإدانة اللفظية، نحو فعل سياسي وقانوني قادر على كبح هذا الانفلات، وإعادة الاعتبار لمنظومة القانون الدولي، وفرض المساءلة على كل من يشارك أو يتواطأ في هذه الجرائم، كما تتطلب بناء موقف عربي موحد يعيد توجيه البوصلة نحو حماية الأرض والإنسان، ويمنع انزلاق المنطقة إلى واقع تفرضه القوة وتغيب عنه العدالة.

في المحصلة، إن ما يجري في الضفة الغربية من تصعيد وجرائم سيقود في حال استمراره إلى إعادة تشكيل الصراع على أسس أكثر خطورة، كما إن التعامل معه يفرض وضوحا في الرؤية، وحزما في القرار، وإرادة لا تقبل بتحويل القانون إلى نص بلا قوة، أو العدالة إلى شعار بلا أثر. ــ الراي

مواضيع قد تهمك