محمد مطلب المجالي : رفض الإدارة الأمريكية ترشّح نوري المالكي… محاولة لكبح قبضة إيران على العراق
لم يكن رفض الإدارة الأمريكية لترشّح نوري المالكي حدثًا عابرًا في سوق السياسة العراقية، بل إشارة صارخة إلى صراع الإرادات فوق أرض العراق. فالقرار، في جوهره، ليس موقفًا من شخص بقدر ما هو موقف من مسارٍ كاملٍ تريد واشنطن وقفه، وتراه ممتدًا بخيوطٍ واضحة إلى إيران.
الرسالة الأمريكية جاءت بلغة دبلوماسية هادئة، لكنها تحمل مضمونًا صاخبًا: لا عودة لوجوهٍ ترى فيها واشنطن عنوانًا لمرحلةٍ تعمّق فيها النفوذ الإيراني داخل مفاصل الدولة العراقية، أمنًا وسياسةً واقتصادًا. فواشنطن تدرك أن العراق، إذا ما أُعيد تسليمه لنفس الأدوات، سيبقى يدور في فلك طهران، لا في فلك القرار الوطني المستقل.
في الحسابات الأمريكية، المالكي ليس مجرد مرشح، بل رمز لمرحلةٍ ارتبطت باتساع نفوذ الميليشيات، وتآكل مفهوم الدولة، وتحويل بغداد إلى ساحة رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران. لذلك جاء الرفض وكأنه محاولة لإعادة رسم خطوط اللعبة: "عراق أقلّ ارتهانًا لإيران، وأكثر قابلية للعودة إلى التوازن الإقليمي”.
لكن السؤال الأهم: هل الرفض الأمريكي دفاع عن سيادة العراق أم دفاع عن مصالح أمريكا؟
الواقع يقول إن السيادة العراقية تقع غالبًا ضحية هذا الاشتباك الدولي. فالولايات المتحدة لا تتحرك بدافع الحب للديمقراطية العراقية وحدها، بل لأنها ترى في تمدد إيران تهديدًا مباشرًا لنفوذها في الشرق الأوسط، ولأمن حلفائها، ولخرائط الطاقة والممرات الاستراتيجية.
وفي المقابل، تستثمر طهران في شخصياتٍ وقوى سياسية ترى فيها ضمانة لبقاء العراق ضمن مجالها الحيوي. وهكذا يتحوّل المواطن العراقي إلى المتفرج الأول على صراعٍ لا يُستأذن فيه، ولا تُؤخذ كلفته من حسابات الخارج، بل من أمنه ومعيشته واستقراره.
رفض المالكي إذن ليس نهاية القصة، بل فصل جديد من رواية النفوذ. فصل يقول إن واشنطن لم تعد مستعدة لقبول رئيس حكومة عراقي يُنظر إليه بوصفه أقرب إلى طهران منه إلى بغداد. كما يقول إن معركة "هوية القرار العراقي” ما تزال مفتوحة، وأن الانتخابات ليست صندوقًا فقط، بل ميدان صراع إقليمي ودولي.
يبقى الرهان الحقيقي على وعي العراقيين أنفسهم:
هل يختارون رئيسًا يمثل الدولة أم رئيسًا يمثل المحور؟
وهل يستطيع العراق أن يخرج من عباءة "الوكيل” ليعود دولة ذات قرار؟
في النهاية، رفض ترشّح المالكي ليس دفاعًا عن الديمقراطية، ولا انتصارًا للسيادة، بل ترجمة سياسية لمعركة أكبر: معركة كبح إيران على أرض العراق، حتى لو كان الثمن إعادة تشكيل المشهد السياسي برمّته وفق ميزان المصالح الأمريكية.
وما بين هذا وذاك، يبقى العراق… ساحة لا لاعبًا.