البشرية في مواجهة الخوارزميات.. صراع عالمي لتنظيم الذكاء الاصطناعي
إبراهيم المبيضين
عمان - لم تعد "خوارزميات" الذكاء الاصطناعي مجرد سطور برمجية خلف الشاشات، بل تحولت إلى وقود لأكبر صراع جيوسياسي يشهده العقد الحالي، هذا ما لخصت به نتائج "قمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026" (AI Impact Summit) المشهد العالمي الرقمي، بعد ثلاثة أيام من النقاشات المحتدمة في نيودلهي (20-18 فبراير الحالي)، عندما كشفت عن انقسام عميق بين حلم "الحوكمة العالمية" وواقع "السيادة التقنية".
القمة العالمية، التي شارك فيها قادة من العالم وصناع قرار في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي العالمية، شهدت إعلانات براقة في ظاهرها، لكنها أبرزت أيضا خلافا جوهريا حول هوية "المتحكم"؛ فبينما دعت الأمم المتحدة، بلسان أمينها العام أنطونيو غوتيريش ومدعومة بدول الجنوب، إلى "تحكم بشري مركزي" يضمن توزيعا عادلا للتقنية وحماية للمجتمعات النامية عبر تشكيل لجنة علمية دولية مستقلة، رفضت الولايات المتحدة أي صيغة لحوكمة عالمية قد "تكبل الابتكار".
واشنطن، عندما دعت وخلفها عمالقة التكنولوجيا، بوضوح إلى "سيادة وطنية" في تبني النماذج الأمريكية، في خطوة يراها الخبراء المحليون بأنها محاولة لتأمين التفوق الاستراتيجي ضد المنافسين الدوليين.
وقال الخبراء المحليون إن سباق الذكاء الاصطناعي اليوم تحول من سباق "ابتكار ومختبرات" إلى سباق "تشريع وقوانين" لترويض هذه التقنية قبل أن تتجاوز قدرة الدول على السيطرة، مؤكدين على أهمية إيجاد اتفاق عالمي لـ"تنظيم ذكي" يجمع بين القدرة على الحد من المخاوف والسلبيات، التي بدأت تؤثر فعليا على الاقتصاد العالمي وتماسك المجتمعات عبر التزييف العميق وفقدان الوظائف، وبين تحفيز الابتكار وعدم تقييده في التقنية التي تقود اليوم قاطرة الاقتصاد الرقمي الجديد.
في الأردن، خطت الحكومة منذ ثلاث سنوات خطوات مهمة في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي، ومنها إقرار الإستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي والخطة التنفيذية 2027-2023، والتي تهدف إلى تفعيل الذكاء الاصطناعي في القطاعات ذات الأولوية، وتوفير خريطة طريق لتنفيذ المشاريع والمبادرات ذات الصلة.
وفي مجال التنظيم، وضع الأردن في العام 2023 الميثاق الوطني للذكاء الاصطناعي، وهو يسعى الآن لوضع خطة تنفيذية لهذا الميثاق بهدف تفعيله وإيجاد نوع من الألزمية في بنوده بهدف التنظيم محليا.
العالم وصل إلى نقطة تحول
وقال الخبير في مضمار الأعمال الإلكترونية الأستاذ الدكتور أحمد غندور إن الحديث والتركيز على موضوع الذكاء الاصطناعي وتطورات هذه التقنية وتأثيراتها بازدياد لأن العالم وصل إلى نقطة تحول، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية لا مجرد أداة.
وكل طرف يريد أن يكتب القواعد بما يخدم مصالحه ويحدد من يملك المعايير والبيانات والأسواق. لذلك يتقدم ملف التنظيم الآن لأنه يحدد شكل الاقتصاد القادم وحدود السلطة والمسؤولية في عصر الخوارزميات. وأضاف غندور، إن الحديث عن تنظيم الذكاء الاصطناعي "لم يعد نقاشا نظريا"، لأن التقنية خرجت من المختبر وأصبحت تؤثر في الاقتصاد والأمن وسوق العمل وصناعة القرار. وقال: "هنا يظهر السؤال الحقيقي: من يضع القواعد ومن يملك سلطة التأثير؟".
وقال: "إن التنظيم أصبح ضرورة قصوى لأن الذكاء الاصطناعي دخل في القرار والعمل والتعليم والإعلام والأمن. ظهرت مخاطر قابلة للقياس مثل التضليل العميق وانتحال الهوية والأخطاء في أنظمة القرار وفقدان وظائف وتحيزات تؤذي فئات كاملة. بدون قواعد للمساءلة والشفافية ومن يتحمل المسؤولية ستتوسع الأضرار ويصعب إصلاحها بعد وقوعها".
موقف الأمم المتحدة وموقف أميركا
وعن موقف الأمم المتحدة يرى الغندور أنه "ينطلق من فكرة أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إطارا عالميا يضمن بقاء الإنسان في موقع المسؤولية، والهدف تقليل المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية مثل التضليل العميق أو قرارات آلية بلا مساءلة".
أما الموقف الأميركي فهو يعكس، بحسب الغندور، "رؤية مختلفة"، مبينا أن واشنطن تخشى أن يتحول التنظيم العالمي إلى قيود تبطئ الابتكار وتضعف التنافسية. فالولايات المتحدة ترى أن السوق والتطوير السريع هما مصدر القوة الاقتصادية، لذلك تعارض أي نموذج قد يشبه إدارة مركزية عالمية للتقنية.
ولفت الغندور إلى أن السؤال الأهم ليس هل ننظم أم لا؟ السؤال: كيف ننظم دون أن نخنق الابتكار؟ التنظيم أصبح ضرورة لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة فردية بل بنية تحتية رقمية تؤثر على المجتمعات. لكن التنظيم الذكي يجب أن يكون قائما على تقييم المخاطر لا على الخوف.
الذكاء الاصطناعي يخدم حياتنا
وقال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة إن أهمية تنظيم الذكاء الاصطناعي اليوم تكمن في أنه "أصبح أداة أساسية في القرارات الحياتية في مجال التوظيف، والقروض، والصحة، والأمن، والتعليم وغيرها من الجوانب، لذلك يحتاج إلى ضمانات ليكون آمنا وعادلا".
وأضاف المخامرة أن تنظيم الذكاء الاصطناعي حسب رأينا الاقتصادي يهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة، ومكافحة التحيز والتمييز، وبناء الثقة العامة ليتم تبني الـAI على نطاق واسع، ودعم التعاون الدولي لمواجهة المخاطر العابرة للحدود.
أما سلبيات التنظيم، بحسب المخامرة، فتتمثل في أنه قد يبطئ الابتكار ويثقل كاهل الشركات الناشئة بالتكاليف والإجراءات البيروقراطية، خاصة الشركات الصغيرة مقارنة بالشركات العملاقة.
أضف إلى ذلك، وجود خطر ما يسمى بالتنظيم المفرط الذي يحول دون التنافسية أو يُستخدم لأغراض إحكام السيطرة.
كما توجد مخاطر صعوبة التنفيذ حيث إن التقنية تتطور أسرع من القوانين، وقد تصبح القواعد قديمة أو تؤدي إلى "هروب" الشركات إلى دول أقل تنظيما.
وأكد المخامرة أنه في حال التنظيم الذكي، فإنه اقتصاديا يضمن نموا مستداما وثابتا، ويمنع فشلا مكلفا مثل حوادث أمنية كبيرة.
كما أنه يفتح أسواقا جديدة ويساعد على انتقال العمالة. كما توجد دراسات تشير إلى أن التنظيم الجيد يقلل من الاحتكار ويعزز المنافسة طويلة الأمد، مع إمكانية زيادة الإنتاجية عبر ثقة أعلى.
بيد أن المخامرة أشار إلى أنه قد يبطئ التبني قصير الأمد ويزيد التكاليف (خاصة على الدول النامية إذا كان مركزيا).
أما اجتماعيا، فإن التنظيم يقلل التفاوت ويحمي الضعفاء من التحيز في التوظيف، ويدعم انتقالا عادلا للوظائف حيث إن AI يعزز الإنتاجية لكن قد يحل محل وظائف معرفية، ويحمي الحقوق والديمقراطية، ويبني مجتمعا أكثر أمانا وثقة.
أما في حال عدم التنظيم، فقد أوضح المخاطرة أن تأثيراته تتمثل في الجانب الاقتصادي بتحقيق نمو أسرع وإنتاجية هائلة (AI قد يضيف تريليونات للناتج المحلي)، وتحقيق قيادة تكنولوجية، وابتكار مفتوح يفيد الجميع عبر المنافسة.
لكنه في الوقت نفسه (أي في حالة عدم التنظيم) فذلك سيرافقه مخاطر بفقاعات، واحتكار الشركات الكبرى، وخسائر وظيفية واسعة بدون دعم، وتكاليف اجتماعية غير محسوبة (بطالة، عدم مساواة).
كما قد يؤدي اجتماعيا إلى تمكين سريع (تعليم/صحة أفضل للجميع) ووفرة، لكنه يزيد خطر التفاوت الشديد، بالإضافة إلى فقدان الثقة (إذا انتشرت الأخطاء أو التحيزات)، وحدوث اضطرابات اجتماعية، وفقدان السيطرة على تقنية تؤثر على الحياة اليومية.
قمة نيودلهي ومواقف الدول
من جانبه، أكد الخبير في حوكمة البيانات والتحول الرقمي الدكتور حمزة العكاليك أن قمة نيودلهي أبرزت دعوات واضحة لوضع أطر تنظيمية عالمية تحكم الذكاء الاصطناعي قبل أن تتجاوز قدرة الدول على السيطرة عليها. فلم تعد المسألة تقنية بحتة؛ بل أصبحت سؤالا سياديا يتعلق بمن يضع القواعد، ومن يمتلك البيانات، ومن يتحكم في الخوارزميات التي ستعيد تشكيل سوق العمل، والإعلام، والمال، وحتى موازين القوة الدولية، لافتا إلى أنه بينما أبدت دول عدة حماسة لفكرة التنظيم متعدد الأطراف، بدت واشنطن أكثر تحفظا، مدفوعة بحسابات تتجاوز الخطاب الأخلاقي إلى اعتبارات تنافسية واستراتيجية عميقة.
وقال العكاليك إن الدعوات التي طُرحت في قمة نيودلهي عكست قلقا عالميا متناميا من مخاطر الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، خصوصا في مجالات التزييف العميق والأسلحة الذاتية والتحيز الخوارزمي وانتهاكات الخصوصية.
فمع إطلاق نماذج لغوية متقدمة من شركات مثل OpenAI وGoogle، واشتداد المنافسة مع شركات صينية مثل Baidu، أصبح واضحا أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد سباق ابتكار فحسب، بل سباق تنظيم أيضا. بعض الدول ترى أن غياب قواعد واضحة قد يؤدي إلى أزمات مالية أو أمنية رقمية شبيهة بالأزمات المالية التقليدية لكن بوتيرة أسرع وأثر أعمق.
وعن تحفظ الولايات المتحدة، قال العكاليك أولا إنها تحتضن معظم الشركات الرائدة عالميا في هذا المجال وأي تنظيم دولي صارم قد يقيّد قدرتها التنافسية.
وثانيا لأن واشنطن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية في مواجهة الصين خصوصا في التطبيقات العسكرية والاستخباراتية.
وثالثا لأن النموذج الأميركي يميل إلى التنظيم المرن القائم على الابتكار الذاتي للشركات بدلا من الأطر الحكومية الشاملة.
وأشار إلى تجربة الاتحاد الأوروبي في حماية البيانات من خلال اللائحة العامة لحماية البيانات، والتي شكلت مثالا على قدرة التشريعات الصارمة على إعادة تشكيل سلوك الشركات عالميا حتى خارج حدود أوروبا.
كما أن دولا مثل كندا وسنغافورة تبنت أطرا إرشادية للذكاء الاصطناعي المسؤول توازن بين الابتكار والحماية.
لكن التنظيم ليس بلا ثمن، بحسب ما يرى العكاليك: فالإفراط في القيود قد يبطئ الابتكار، خصوصا لدى الشركات الناشئة التي تفتقر إلى الموارد القانونية للامتثال المعقد. كما أن اختلاف المعايير بين الدول قد يؤدي إلى تجزئة رقمية، حيث تضطر الشركات إلى تطوير نماذج مختلفة لكل سوق. وهناك خطر آخر يتمثل في استخدام التنظيم كأداة حمائية تخدم مصالح اقتصادية أو جيوسياسية بدل أن تكون أداة لحماية المجتمع. ففي بيئة تنافسية حادة بين واشنطن وبكين قد يتحول النقاش حول الأخلاقيات إلى ساحة صراع نفوذ.
ــ الغد