الأخبار

اسماعيل الشريف : المغتصبون

اسماعيل الشريف : المغتصبون
أخبارنا :  

«لا أرى أي اغتصاب. لكنني أرى الكثير من الاغتصاب في فيديوهات منظمتكم الإرهابية حماس.. اغتصاب أطفال.. قطع رؤوس أطفال.. وهذا يجعل تعاطفي مع هؤلاء العرب الذين يسمّون أنفسهم «فلسطينيين» فارغًا». مستوطن على منصة «إكس».

في تقريرها الصادر في حزيران 2024، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة -وهي هيئة أممية أنشأها مجلس حقوق الإنسان للتحقيق في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي وقانون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية- إلى أن الجرائم ذات الطابع الجنسي المرتكبة بحق الفلسطينيين باتت تتكرر بصورة ممنهجة، وقد شهدت تصاعدًا ملحوظًا في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرةً إلى أن هذه الجرائم تُمارَس بوصفها جزءًا راسخًا من الأساليب العملياتية لقوات الأمن الإسرائيلية.

بعد ذلك بنحو شهرين، أصدرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان تقريرًا مستندًا إلى شهادات موثّقة، وصف فيه ما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون بأنه انتهاك ممنهج يشمل التعذيب والاعتداء الجنسي. بيد أن توظيف العنف الجنسي أداةً في التعامل مع المعتقلين الفلسطينيين ليس ظاهرة طارئة أو وليدة اللحظة؛ إذ على الرغم من التدهور الحاد في المشهد الحقوقي منذ انطلاق العمليات العسكرية الصهيونية في أكتوبر 2023، يظل هذا النمط من الانتهاكات -بما ينطوي عليه من تعتيم ممنهج وإسكات للضحايا- أسلوبًا متجذّرًا لا مستحدثًا. وفي هذا السياق، كشفت منظمة الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال - فلسطين، وهي المنظمة الفلسطينية الوحيدة المعنية بحقوق الطفل، عن واقعة اغتصاب طفل على يد قوات إسرائيلية، وأبلغت بها وزارة الخارجية الأمريكية عام 2021، وفي الأسبوع ذاته أقدمت القوات الإسرائيلية على مداهمة مقر المنظمة وصنفتها منظمةً إرهابية.

وثّقت تقارير الأمم المتحدة عشرات الحوادث التي تتضمن إذلالًا جنسيًّا استهدف نساءً وفتياتٍ فلسطينيات، فيما تداولت منصات الإنترنت مواد مرئية تُثبت تعرّض سجناء فلسطينيين مُفرَج عنهم من معسكر «سديه تيمان» لجرائم اغتصاب موثّقة. وعلى الرغم من الحساسية البالغة لهذا الملف، أدلى عدد من المعتقلين بشهادات صادمة عمّا يجري داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، تضمّنت استخدام الهراوات الحديدية أداةً للاعتداء الجنسي، فضلًا عن إفادات تُشير إلى توظيف كلاب مدرّبة في هذا الغرض. وثمة شهادات أخرى بالغة القسوة تقشعرّ لها الأبدان آثرنا عدم إيرادها في هذه المقالة.

ولعل أبرز المشاهد التي هزّت الوجدان العالمي ذلك المقطع المصوَّر الذي انتشر على نطاق واسع، والذي يُظهر تسعة جنود صهاينة وهم يرتكبون جريمة اغتصاب جماعي بحق معتقل، في محاولة مكشوفة لطمس الواقعة بنصب متاريس حولها. وعلى الرغم من الصدى الدولي الواسع الذي أحدثته الجريمة، بادر قطاع من المجتمع الإسرائيلي إلى تمجيد الجنود ورفعهم إلى مرتبة الأبطال، وتداولت وسائل الإعلام في تلك الحقبة خطابًا خطيرًا يتحدث عما وُصف بـ»الحق في الاغتصاب». وفي السياق ذاته، تعرّضت المدعية العامة العسكرية الإسرائيلية يفعات تومر للاعتقال بسبب سماحها بنشر الفيديو، في حين واجه الصحفيون الذين أسهموا في الكشف عن هذه القضية حملات مضايقة واسعة.

منذ اندلاع هذه الأحداث، لجأ القادة الصهاينة إلى تبرير الحملة العسكرية عبر خطاب تحريضي يجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم، واصفًا إياهم بـ»الحيوانات البشرية»، مستحضرًا في الوقت ذاته نصوصًا دينية تُصوِّر القتل فريضةً إلهية موجَّهة ضد ما يُسمّى «العماليق»، وتُؤطِّر الحرب في صورة معركة كونية بين الخير والشر. ومتى قُدِّم العنف باعتباره أمرًا ربانيًا، أصبح الجاني بمنأى عن أي مساءلة أو محاسبة. وحين تُسلَب الإنسانية من الآخر ويُقذف به في خانة الظلام، يتحوّل القتل والاغتصاب إلى واجب لا تردّد فيه ولا رحمة معه؛ ويزداد هذا المناخ الفكري تجذّرًا حين تغذوه مناهج تعليمية ومؤسسات دينية تُرسّخ الكراهية وتُطبّع مع العنف.

هذا الخطاب لا ينبثق من فراغ، بل هو نتاج سياسات ممنهجة وطويلة الأمد، عمدت إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وتصويرهم كائناتٍ دون البشر. ومع ترسيخ منظومة الاعتقال الإداري والاحتجاز الجماعي والمحاكمات الجائرة وممارسات التعذيب الممنهج، يتحوّل الاغتصاب الجماعي إلى فعل مُقنَّن ومُبرَّر داخل هذه المنظومة. وتبقى التساؤل قائمًا: أيّ انهيار أخلاقي أعمق من ذلك الذي يبلغه مجتمعٌ يُضفي الشرعية على الاغتصاب ويُبارك الإبادة؟! ــ الدستور

مواضيع قد تهمك