نضال منصور : الضمان آخر قلاع الحماية الاجتماعية
بلا شك يشكل الضمان الاجتماعي مدماكا رئيسا في الدولة للحماية الاجتماعية، ولهذا من الطبيعي أن تثير التعديلات المقترحة على قانون الضمان ردود فعل واسعة، وكنت أتمنى على الحكومة أن تُخضع مشروع القانون المعدل لحوارات معمّقة، ولكن لم يفت الأوان؛ فمجلس النواب يمكن أن يكون المختبر الحقيقي لدراسة متأنية تحافظ على الضمان كحامٍ للعدالة الاجتماعية.
قانون الضمان الاجتماعي يحتاج مراجعات، هذا صحيح، والسؤال بأي اتجاه، وما هي البوصلة التي يجب أن نراعيها، ونحن نشرع بتعديل القانون؟
الجواب واضح؛ نريد تعديلات تحقق الاستدامة المالية للضمان الاجتماعي، ليصبح
مستقرا، آمنا، لا تقرع دراساته الإكتوارية ناقوس الخطر، وفي الوقت ذاته،
علينا أن نربط هذه التوجهات بترسيخ العدالة، والحماية الاجتماعية، فمؤسسة
الضمان الاجتماعي ليست شركة تدار على أسس ربحية فقط، وإنما مظلة حقوقية،
وركيزة للأمن الاجتماعي.
منذ سنوات طويلة لم تتوقف المطالبات بوقف تدخل الحكومة في تسيير الضمان،
ورفع يدها، فهذه أموال الناس، ولا يجوز أن تقترب الحكومة منها بمشاريع
فاشلة، مثلما كان يحدث قبل سنوات، وحماية مؤسسة الضمان الاجتماعي من العبث
خطوة مهمة، ومقترحات الحوكمة التي قدمت بالتعديلات خطوة إيجابية، ربما تعزز
استقلالية الضمان كمؤسسة مستقلة، على غرار البنك المركزي.
المعضلة الأساسية في التقاعد المبكر، والسن المقترح لتقاعد الشيخوخة،
وشخصيا كنت، وما زلت معارضا للتقاعد المبكر كقاعدة متاحة للجميع، وأتفهم أن
يكون في حالات استثنائية مثل العجز، والمرض، والمطلوب توافق وطني للتعامل
مع هذه الظاهرة الخطرة (التقاعد المبكر) التي لا مثيل لها إلا بالأردن، ومن
أكثر أشكالها عبثا، وغرابة، الإفراط الحكومي في الإحالات على التقاعد
المبكر.
سن التقاعد للشيخوخة ليس أمرا ثابتا، ويختلف بالمجتمعات حسب معدل الأعمار،
ولا يمكن مقارنة الأردن بأوروبا، أو اليابان مثلا، وإن كانت هناك حاجة ملحة
للرفع، فيجب مراعاة نقطتين، الأولى: أن لا يسري ذلك بأثر رجعي، والزيادة
العمرية بشكل متدرج.
يحتاج الضمان الاجتماعي ليس إلى التفكير السريع في زيادة الموارد من جيوب
المشتركين، وعلى حسابهم، وإنما في مواجهة إشكاليات مثل التهرب التأميني،
وضرورة توسيع مظلة الشمول التأميني لقطاعات العمل غير المنظمة، فالأرقام
تقول إن 54 % غير مشمولين بالضمان، وهذا يحتاج إلى أفكار خارج الصندوق،
وسلة حوافز تشجعهم، وتقنعهم بفائدة الانضمام للضمان، وأولها تخفيف النسب
المفروضة للاشتراك للعمال، وأصحاب العمل.
قبل سنوات كان الراتب التقاعدي مفتوحا، وبلا سقف، واستغله بعض رجال
الأعمال، والمتنفذين في الحصول على رواتب تقاعدية غير مسبوقة، فالقاعدة أن
راتب التقاعد للحفاظ على الكرامة الإنسانية، وليس الإثراء، وإن كانت
القوانين تفصل بأثر رجعي، فأعيدوا النظر بمن تزيد رواتبهم التقاعدية عن 5
آلاف دينار.
أثق أن دولة رئيس الوزراء الدكتور، جعفر حسان، يمتلك حصافة تقطع الطريق على
من يريدون استخدام مشروع قانون الضمان للضخ، والطخ على الحكومة، ومحاولات
وضعها في مواجهة الشارع، وأتمنى على الرئيس إعادة النظر في مشروع القانون
برمته
إن وجد الطريق مسدودا، فالفرصة لم تفت، فالضمان آخر قلاع الحماية والعدالة الاجتماعية، وغير مسموح العصف بها.
ــ الغد