جهاد المومني يكتب : عن السرديات الأردنية
أكتب منذ أكثر من ثلاثين سنة ولا أتذكر ان كاتباً او مؤرخاً أردنياً جاء على ذكر (السردية الأردنية)، حتى ان كلمة السردية لم تكن مألوفة وأظنها من منتجات حرب غزة عندما قام البعض بترجمة الكلمة الإنجليزية Narrative التي درجت في الآونة الأخيرة في إطار الرد على السردية الصهيونية المتفشية حتى وقت قريب في المجتمعات الغربية، فالسردية الفلسطينية ظهرت لمواجهة السردية الصهيونية لتفنيد ادعاءات إسرائيل بأن لها حقوقاً دينية في ارض فلسطين، والسردية الأردنية جاءت للرد على ناكري جميل هذا البلد.
في الأردن لا سردية واحدة نقدمها للعالم، وانما تاريخ مكتوب بالسرديات والإرث والولادات عسيرها ويسيرها على مدار القرون، تاريخ أمة مكون من آلاف السرديات التي تجذر وجود وحضور الأردن الانسان والأرض والدولة، نحن لسنا كاسرائيل كيان طارئ أقامته الدول الاستعمارية وكتبت له سردية منسوجة من حزمة أكاذيب دينية وتاريخية وفرضته على العالم وعلى السكان الأصليين لهذه الأرض ثم تبنته عصابات الصهاينة لتقيم مستعمرة وظيفية لا زالت إلى اليوم تؤدي دور القاتل المأجور لحساب دول الاستعمار .
نحن دولة لها تاريخ حقيقي وليس مجرد سردية، لنا وجود راسخ يمتد إلى آلاف السنين، حضارات مرت من هنا تأثرنا بها وأثرنا فيها، وبقي الأردن وإن بتسميات مختلفة وصولاً إلى الدولة الحديثة الغنية بسردياتها المنسوجة بالتضحيات، ففي جميع مراحل نشوء هذه الدولة ثمة سردية تحكى وتكتب وتمجّد على مر الزمن.
السردية قصة يصنعها الإنسان، وينقلها آخر لتتداولها الأجيال، اما التاريخ فيصنعه الشعب من جيل إلى جيل ومن زمن إلى آخر، التاريخ هو الماضي الذي يخاطب الحاضر ليضيء المستقبل وينير طريق الشعوب، انه كنز السرديات التي تحكي قصص الأمة وعظمتها، مجدها وخلودها، بقاءها ونهضتها ومساهمتها في ازدهار العائلة العالمية.
للأردن سرديات تقال وتحكى وتكتب بفخر لتشكل مجتمعة تاريخ هذا البلد، سردية البقاء وسردية النهوض وسردية الانتصارات، وسردية البناء ووحدة المصير و و، ومن قال ان التاريخ يغض الطرف عن الانكسارات، وهل ثمة امة بدون انكسارات وكبوات، هكذا يكون التاريخ بحلوه ومره لكنه يبقى إرث الأمة وذخرها، من نجاحاتها تُشكل خوارزمية البناء والإنجاز والبذل والعطاء،ومن إخفاقاتها تتعلم دروساً في النجاة والنهوض مرات ومرات.
للتعليم في الأردن سردية تستحق الدراسة اذ من الأمية المطلقة عبر هذا الوطن إلى التعليم الكامل، وللطب في الأردن سردية عظيمة تصلح نموذجاً للمجتمعات التي ترنو إلى المعجزات كي تنهض، وللأمن في الأردن حكايات وسرديات وانتصارات خلدها التاريخ، كيف بنينا جيشنا ومؤسساتنا الأمنية وتخطينا الصعاب والتحديات وكيف حققنا النصر في الكرامة وكم قدمنا من الدماء دفاعاً عن فلسطين، المرأة الأردنية أيقونة النهضة التعليمية والعلمية ولها المكانة التي تليق بما قدمت من بذل وأفسحت لنفسها مكاناً في كل منجز تحقق، الرياضة في الأردن لها سردية تشهد على جولات الفوز ورفرفة الرايات في سموات العالم ولا زالت مصدر فخر رغم شح الإمكانيات، كل فاصلة من تاريخ هذا الوطن تُشكل سردية زمانية ومكانية بطلها الإنسان الأردني، قيادة هذا البلد، ملوك الأردن قادة السرديات الملهمة منذ الطبيب الأول والمرأة الأردنية الأولى كابتن الطائرة، إلى زراعة القلب والمعجزات الطبية الأردنية التي نشهدها اليوم امام أعين التاريخ، إلى المرأة الأردنية قائدة الطائرة المقاتلة إلى سلسلة طويلة من المبهرات الرائعة لأبناء وبنات شعبنا الأردني العظيم، رجالات الأردن الأوفياء، شهداء الأردن، أنتم أيها الأردنيون، هذا البلد العظيم نحن مجتمعين في ظلال رايتنا الأردنية، وما تركناه وراءنا من صفحات زاخرة بالأمجاد، وما نسطره الآن على صفحات الزمن وما سنتركه للأجيال القادمة، نحن عنوان جميع السرديات.. نحن التاريخ لا مجرد سردية تُحكى .