م. هاشم نايل المجالي : تبقى الحضارة الإسلامية ساطعة
لقد لاحظنا أن هناك كثيرًا من الدول الغربية قد حملت أفكارًا تناولها السياسيون والمثقفون في بلادهم تنادي بإقصاء المنهج الإسلامي، ويربطون بينه وبين التخلف والجهل والرجعية، وعلى أنه السبب التي تعاني منه بلادنا، وأن ذلك لن يكون كفيلاً بوضعنا على المسار والسباق الحضاري، علمًا بأن التاريخ إذا عدنا إليه نجد في صفحاته حضارة إسلامية ساطعة المعالم فتحت الطريق أمام العالم بأكمله للتقدم والازدهار في كافة المجالات.
فلقد جاء الإسلام برسالته بمنهج شامل متكامل لتحقيق العدالة والسعادة البشرية وإخراجها من الضيق إلى السعة ومن الظلم والظلمات إلى النور والعدل، وجاء بمنظومة دينية تشفي النفوس لهذا الكون وقضاياه المعقدة والشائكة لتجيب على أسئلته الهائمة في كل شأن الخلق، وجاء بمنظومة من القيم والمبادئ والأخلاق التي تتسم بالثبات لأن مصدرها رباني وبالواقعية لتتناغم وتنسجم مع طاقات البشر وقدراتهم، كذلك المرونة وقابلية التأقلم مع المتغيرات فهي تراعي جميع الحالات.
فلقد جاء الإسلام إلى الإنسان بمهمة الاستخلاف وعمارة الأرض لا إهلاكها ودمارها وقتل وتشريد شعوبها، على اعتبار أن الإنسان موضوع الرسالة فهو يدعو للأخذ بأسباب التطور والحضارة والنهضة والقوة لإعمار الحياة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)، إنه بذلك يجعل من عمارة الأرض شيئًا تتصل به الدنيا بالآخرة فهما طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الجنة.
هذا هو الإسلام الذي قال لمعتنقيه: (فامشوا في مناكبها)، وهو الذي قال: (وأعدوا)، وهو الذي قدم لنا في الكتاب قصة الهدهد السليماني بأبعادها الإدارية والقيادية تعليمًا للناس كيف بالإسلام يعيشون وبه يرتقون.
وإن ما أصاب العالم من دمار وقتل وتشريد وتدهور لا يستطيع أحد إنكاره، فلقد أصابها بسبب البعد عن المبادئ والقيم الأخلاقية وبعدها عن المنهج الرباني ليكون هناك من عبدة الشياطين دينًا ومنهجًا لهم، إن ما يصيب أي أمة من تخلف وتدهور يكون بعد نأي أبنائها عن المنهج الرباني والسير وراء كل ناعق يستورد أفكارًا سادت في أرض غربية ومناخ غير مناخنا يعيشها الغرب بعيدًا عن أخلاقنا ومبادئنا.
العلاقة بين الإسلام والتحضر علاقة طردية، متى تمسك به أتباعه تقدموا وازدهروا، أما إذا جعلوه خلفهم تخلفوا، إن الدين يصلح لكل زمان ومكان، ولقد اعترف الكتاب والفلاسفة الغربيون بذلك، فالفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب يقول عن العرب: (الجامعات الأوروبية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمائة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ)، وغيرهم الكثيرون حيث أشادوا بالتقدم بالطب أشواطًا بعيدة على الإغريق ودرسوا علم وظائف الأعضاء وكان لجراحيهم معرفة ودراية باستعمال التخدير، إنها غيض من فيض شهادات غربية تستند بالحضارة التي قامت على الإسلام حيث تخاطب بها من هم مبهورون ببريق الغرب الذي يتهمون الإسلام بالمسؤولية عن تخلف ركب الحضارة، والكل يعلم أن الحضارة الحقيقية هي التمسك بهذا المنهج.