الأخبار

محمد ابو رمان : «وما تُخفي صدورهم أكبر»

محمد ابو رمان : «وما تُخفي صدورهم أكبر»
أخبارنا :  

ردّ الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية، فؤاد المجالي، على تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، مؤكداً أنّها تتناقض مع الموقف المعلن للرئيس الأميركي دونالد ترامب الرافض لضمّ الضفة الغربية، فضلاً عن أنّها تمثّل انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وقد اتخذت أطراف عربية مواقف قريبة من الموقف الأردني، من بينها جامعة الدول العربية، وعدد من الدول العربية، بإدانة تصريحات السفير وما تنطوي عليه من دلالات سلبية على الأمن الإقليمي.

تصريحات هاكابي، في الواقع، لم تقف عند الضفة الغربية وحدها، إذ بدا حديثه مشبعاً بمنطق «الحق» الديني-السياسي كما تراه التيارات الأصولية المسيحية الصهيونية واليمين الديني في إسرائيل، وصولاً إلى الإيحاء بشرعية التوسّع في «أرض الميعاد» وفق القراءة التوراتية الممتدة ـ في خطاب تلك التيارات ـ من النيل إلى الفرات (وهو ما يُستدعى غالباً في أدبيات «إسرائيل الكبرى»).

وجاءت تصريحات هاكابي خلال مقابلة على برنامج/بودكاست تاكر كارلسون، الإعلامي الأميركي المعروف بقربه التقليدي من تيار «ماغا» (Make America Great Again)، والذي شهد هو الآخر انقساماً واضحاً داخل اليمين الأميركي بشأن حدود الدعم الأميركي الهائل وغير المشروط لإسرائيل، وحول كلفته السياسية والأخلاقية والاستراتيجية على الولايات المتحدة نفسها.

بالعودة إلى الموقف الأردني، يمكن القول إنّ البيان كان ذكياً من زاوية لفت الانتباه إلى التناقض بين الخطاب «المعلن» في واشنطن، وبين ما يقوله السفير على نحوٍ فاقع وصريح. لكن السؤال الأهم: إلى أيّ مدى يمكن فعلاً أخذ «ضمانات» ترامب على محمل الجد؟ هل هي مرجعية ثابتة يمكن الركون إليها، أم أنّها جزء من الحالة الترامبية القائمة على سيلٍ من التصريحات المتضاربة التي تُستخدم أحياناً للمناورة أو للتضليل أو لتوزيع الأدوار؟!

لا يمكن قراءة تصريحات هاكابي باعتبارها «نزوة شخصية» أو خروجاً معزولاً عن السياق؛ فهي تمثّل ـ على الأقل ـ صوتاً صريحاً لتيار نافذ في البيئة السياسية المحيطة بترامب، تيارٍ يبارك عملياً سياسات الضمّ، أو يتسامح معها، ولو بطرق أقلّ مباشرة من تصريح هاكابي نفسه. وفي المقابل، يواصل اليمين الإسرائيلي الديني والقومي دفع أجندة أكثر راديكالية، كما يظهر في خطابات وتصريحات متكررة لوزراء بارزين، من بينهم بتسلئيل سموتريتش، حول الضمّ وتقويض أوسلو وإضعاف السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى طرح «تشجيع هجرة» الفلسطينيين كحلّ طويل الأمد.

ثم إنّ سجلّ ترامب نفسه لا يساعد كثيراً على «حسن الظن»: من نقل السفارة الأميركية إلى القدس، إلى وقف تمويل الأونروا في ولايته الأولى، إلى الانحيازات السياسية والرمزية التي راكمت وقائع على الأرض في صالح الرواية الإسرائيلية. وحتى في الخطاب الأميركي الداخلي، تتصاعد محاولات دفع المصطلحات التوراتية مثل «يهودا والسامرة» بدل «الضفة الغربية» بوصفها معركة وعي ورواية لا تقل أهمية عن معركة السياسة.

من المهم أن يكشف الخطاب الدبلوماسي والسياسي الأردني ـ والعربي عموماً ـ هذه التناقضات ويُعرّيها، وهذا دورٌ يقوم به الأردن بصورة مستمرة في دعم القضية الفلسطينية. لكن في المقابل، من الخطورة ـ بل من الخطأ الفادح ـ التعامل مع تصريحات السفير الأصولي بوصفها رأياً شخصياً منفلتاً من سياق سياسات الإدارة؛ فالوقائع على الأرض، والقرارات الإسرائيلية المتتابعة، واندفاعة الاستيطان واليمين المتطرف، تمرّ غالباً من دون اعتراض أميركي حاسم يوازي حجم الخطر، وهو ما يجعل «الفاصل» بين خطاب هاكابي وخطاب السياسة أقلّ اتساعاً مما نحبّ أن نعتقد.

ويبقى السؤال المسكوت عنه في أروقة السياسة وخطاباتها: لماذا يُغضّ الطرف عن خطاب اليمين الديني الصهيوني بما يحمله من كراهية وتطرّف يهددان الأمن والسلم الإقليميين، بينما يجري الرصد والترصّد لأي خطاب إسلامي بوصفه خطراً وجودياً أو «معاداة للسامية»، حتى عندما يكون في إطار النقد السياسي؟ المفارقة أنّ الاتهامات في الداخل الأميركي صارت تُستخدم كسلاحٍ في صراع الأجنحة ذاته، وهو ما ظهرت بعض ملامحه في الجدل الواسع الذي أثارته مقابلة كارلسون مع هاكابي وردود الفعل عليها.

مواضيع قد تهمك