د. سلطان المعاني : الحَرّة خريطةً للذاكرة وسردية وطن
يذوب الصمت في الحَرّة الأردنية الشمالية الشرقية ويتحوّل إلى نبضٍ دفينٍ، تصوغ إيقاعه الحجارة السوداء التي تحمل آثار العابرين ووشوشات الزمن السحيق. وهنا، يحتشد في السكون هدير أصوات سكنت تحت طبقات الصخر، نقشها الأقدمون بشغفٍ لمقاومة الزوال، فجعلوا من وجه الحَرّة خريطةً للذاكرة لا يخبو صداها. تقف الرجوم البركانية كسِتارٍ، تخبئ خلفها مدوّنات وخواطر وأمنيات منقوشة بأيدٍ بشرية، تسترجع بها الأرض لحظات الحضور الإنساني وتعيد مساءلة الحاضر عن أصله ونسبه في تضاريس النسيان.
بين انقباض القسوة الصحراوية وشراسة الحرِّ، تتسلل النقوش كعلامات حيّة، تُعيد للوجود معناه المفقود، وتربط الإنسان بجذور لم تتنكر للغربة أو الخوف. تتكلم الحجارة هنا بلغة المجاز والحنين، يحتفظ بأثر لمسات الذين مروا وسكنوا ورحلوا، ويكشف في كل ظل نقشٍ عن قصة إنسان وجد في الصخر ملاذه الأخير ضد النسيان.
تتقاطع الجغرافيا المتوحشة مع شوق الإنسان القديم إلى البقاء، فيجد النقش طريقه ليصير أكثر من علامة على حجر: يتحوّل إلى فعل مقاومة ضد النسيان، وصرخة مكتومة لا تندثر بمرور العصور. كل نقش هو محاولة يائسة لانتزاع معنى من قبضة الفناء، واستحضار حضور الإنسان وسط هذا الامتداد الصلد من الصخر والحصى. في حَرّة الشمال الشرقي، يصير الحجر ذاكرة أبدية تتحدى عجز اللغة البشرية، وتُسجّلُ إرادةَ البقاء في مسار الزمن، حيث تتجاور المفردات المنحوتة مع ظلال الغابرين في رقصة أزلية لا تعرف الفناء.
إنّ النقش هنا أثرٌ باقٍ ونقشٌ راسخ في سفر التاريخ الأردني، وهو شاهد حيٌّ على قلق الإنسان وشغفه بالتخليد. يتحوّل الحجر إلى صفحة من كتاب الوجود، ينقش عليها الأردني أحلامه ومخاوفه، يودع فيها رسائله للغائبين والقادمين، ويثبت من خلالها حقه في الحضور والمغزى؛ فكل حرفٍ يشتعل على سطح الصخر هو نبضة من نبضات قلب الجماعة، وصرخة ضد الفراغ، واستدعاءٌ لعالم كان هنا ذات يوم، وما زال صداه يدوي في جنبات الحَرّة حتى اللحظة. بهذا المعنى، تصبح الحَرّة كتابًا مفتوحًا لا تكتمل قراءته أبدًا؛ كتاب ينهض من طبقات الجغرافيا والذاكرة معًا، يكتب فيه الإنسان ذاته ويعيد كتابتها مع كل مرور جديد، إذ لا تُختتم الرواية إلا لتبتدئ من جديد، وينصهر الماضي بالحاضر في نص لا يُشبه إلا أردنيته.
في تلك المساحات التي يلفها الغياب، تقاوم النقوش الكتابية صمت الصحراء، وتبث في المكان نبض الحياة، إذ تعكس سردية إنسانٍ ظل لقرون يتفاعل مع قسوة الطبيعة، ويصوغ عبر الحجر إرادته في البقاء وشهادته على التحول. لم تكن هذه الكتابات، في الحَرّة الأردنية الشمالية الشرقية، إلا جسرًا بين الأزمنة، تُعيد رسم هوية المكان وتستبطن قلق الإنسان وأسئلته الكبرى، وتمنح الأرض صوتها الذي لا يشيخ؛ فكل نقش هو شاهدٌ على قصة، وكل علامةٍ خطها البدوي على الحجارة تختزن خبرات الحياة وأحلام الرحيل وإرادة الانتماء.
تتبدى الحَرّة من خلال هذه النقوش نصًا سرديًا متجددًا؛ فهي تبوح بما غاب عن كتب التاريخ المدون، وتستعيد تفاصيل الإنسان العابر، فتجعل من الصخور صفحاتٍ زاخرة بمدونات الحب والحزن، بالدعاء والرثاء، بالحنين والانتظار. في كل تعبير كتابي تتكشف علاقة الإنسان بأرضه، إذ لا يُكتَب النص إلا وقد تشبع الوجدان بهواجس الرحلة والمقام، وأحاطته الرغبة في ترك أثر لا يزول بانزياح الرمال أو تبدل الفصول.
في الحَرّة، تصبح الأرض نصًا مفتوحًا، يصعب تأطيره أو تقييده بسردية واحدة؛ فالنقوش القديمة ترفض الامتثال لمنطق النسيان، وتطل في كل قراءة جديدة كأنها تولد من جديد، تُعيد إنتاج المعاني، وتعيد تعريف هوية المكان والإنسان معًا. هكذا، تتوارى الحدود بين الجغرافيا والكتابة، بين الحاضر والماضي، إذ تتجدد السردية مع كل تأمل في الصخر، وتتحول الحَرّة إلى حقل دلالي متحرك، تقرأ فيه الذات امتدادها في العالم، وتجد فيه الجماعة جذورها الثقافية وسندها الروحي.
من النقش إلى السرد، ومن الحجرة السوداء إلى الذاكرة الجماعية، يُعاد تركيب المشهد الإنساني في شمال شرق الأردن، حيث تدون النقوش الأسماء والأحداث، وتتسع لتصوغ جدلية الوجود والعدم، وتختزن في خطوطها أسرار العبور بين الحياة والموت، وبين الانتماء والاغتراب. لقد كان الإنسان في الحَرّة مؤسسًا لزمنٍ جديد، يرث ذاكرة من سبق، ويورثها لمن سيأتي، في دورة لا تنتهي من كتابة الذات على جسد الأرض.
إن قراءة سرديات النقوش الكتابية في الحَرّة الأردنية الشمالية الشرقية هي استدعاءٌ لذاكرة المكان في أبعد أعماقها، ومحاولة لاستعادة صوت الإنسان في مواجهة العدم. كانت تلك الكتابة فعل مقاومة ضد التلاشي، وبحث دؤوب عن معنى يليق بالأرض والإنسان، وولادة دائمة لهوية لا تنضب، تتجدد كلما نطقت الحَرّة بما سُطِّر على صفحاتها الحجرية. هكذا، تبقى الحَرّة تروي حكاياتها، صخور تتكلم، وأرض لا تنسى، وذاكرة تتوقد، وسردية ترفض الصمت. ــ الدستور