الأخبار

أ. د. امجد الفاهوم : زيت الزيتون بين تقلبات العرض وضغوط السوق

أ. د. امجد الفاهوم : زيت الزيتون بين تقلبات العرض وضغوط السوق
أخبارنا :  

يشكّل زيت الزيتون في الأردن أكثر من مجرد منتج زراعي؛ فهو عنصر أساسي في السلة الغذائية، وركيزة اقتصادية واجتماعية لآلاف الأسر في المحافظات الزراعية. ومع ذلك، شهدت الأسواق الأردنية في مواسم متعاقبة حالات نفاد أو شحّ ملحوظ في المعروض، ترافق مع ارتفاعات سعرية أثارت قلق المستهلكين والمنتجين على حد سواء. هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بوصفها حدثًا عابرًا، بل هي نتيجة تفاعل معقّد بين عوامل إنتاجية وتجارية وسلوكية.

أول الأسباب يتمثل في الطبيعة الدورية للإنتاج. فزيت الزيتون يرتبط بموسم حصاد محدد، ويتأثر بعوامل مناخية مثل شحّ الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، ما يؤدي إلى تذبذب الكميات المنتجة سنويًا. وعندما يتراجع الإنتاج في موسم معين، ينخفض المخزون المتاح للتوزيع على مدار العام، فتظهر فجوة بين العرض والطلب، خاصة إذا لم تُدار المخزونات بكفاءة.

العامل الثاني يرتبط بديناميات السوق المفتوح. في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، يصبح التصدير أكثر جاذبية من البيع المحلي، نظرًا لفارق العائد بالعملة الأجنبية. وعندما يُعاد توجيه جزء من الكميات نحو الأسواق الخارجية دون وجود آلية تضمن تلبية الطلب المحلي أولًا، ينكمش العرض الداخلي، ويبدأ السعر المحلي في الارتفاع تبعًا لقوى السوق. ووفقًا لأساسيات الاقتصاد الجزئي، فإن أي انكماش في الكمية المعروضة مع بقاء الطلب مستقرًا يؤدي إلى انتقال منحنى التوازن نحو سعر أعلى.

كما تلعب التوقعات السلوكية دورًا مهمًا؛ فعندما يتوقع المستهلكون ارتفاع الأسعار أو نقص الكميات، يتجه بعضهم إلى الشراء بكميات تفوق حاجتهم الفعلية، ما يفاقم الضغط على المخزون المتاح ويُسرّع من وتيرة النفاد. هذه السلوكيات، وإن كانت فردية، تؤثر جماعيًا في توازن السوق.

وفي سياق محاولة احتواء النقص، لجأت الحكومة إلى تعويض جزء من الفجوة عبر استيراد زيت الزيتون من تونس، باعتبارها من كبار المنتجين في المنطقة. غير أن التجربة أظهرت أن الكميات المستوردة، رغم أهميتها في تهدئة السوق مؤقتًا، تنفد بسرعة أيضًا. ويُعزى ذلك إلى عاملين رئيسيين: أولهما أن الكميات المستوردة غالبًا ما تكون محدودة قياسًا بحجم الطلب المحلي الكلي، وثانيهما أن طرح الزيت المستورد بأسعار تنافسية يدفع المستهلكين إلى الإقبال المكثف عليه فور توفره، ما يؤدي إلى تسارع دورانه في السوق. وهكذا يتحول الاستيراد إلى أداة إسعافية قصيرة الأمد، لا تعالج جذور الاختلال الهيكلي بين العرض والطلب.

انعكاسات نفاد الزيت من السوق الأردني تتجاوز مسألة السعر. أول الأثر يتمثل في الضغط على القوة الشرائية للأسر، خاصة أن زيت الزيتون سلعة شبه أساسية في النمط الغذائي المحلي. ارتفاع سعره يدفع بعض الأسر إلى استبداله بزيوت أقل جودة غذائية، ما ينعكس على أنماط الاستهلاك والصحة العامة. كما أن اضطراب الأسعار يخلق حالة من عدم اليقين لدى المنتجين والتجار، ويضعف القدرة على التخطيط والاستثمار طويل الأمد في القطاع.

اقتصاديًا، يؤدي الشحّ إلى تنشيط المضاربات وتوسّع الفجوة بين السعر في المزرعة والسعر للمستهلك النهائي، وهو ما يقلّص العدالة في توزيع هوامش الربح داخل سلسلة القيمة. وفي حال تدخلت الدولة عبر تسقيف الأسعار دون معالجة جذور المشكلة، قد تنشأ اختلالات إضافية، مثل إحجام بعض المنتجين عن طرح كمياتهم في السوق بانتظار تحسن السعر، أو انتقال جزء من التداول إلى قنوات غير رسمية.

التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب مقاربة متوازنة تقوم على ثلاثة محاور. أولها إدارة المخزون الاستراتيجي بآلية مؤسسية تضمن توفر حد أدنى من الكميات في السوق طوال العام، مع اعتماد بيانات دقيقة حول الإنتاج والاستهلاك. ثانيها تطوير سياسات تصدير واستيراد مرنة تُعطي أولوية لتغطية الطلب المحلي وتحدد سقوفًا زمنية وكميات واضحة، بما يحقق التوازن بين تعظيم العائدات الخارجية وحماية الاستقرار الداخلي. ثالثها دعم رفع الإنتاجية الزراعية عبر تحسين تقنيات الري والإرشاد الزراعي واستخدام أصناف أكثر مقاومة للظروف المناخية، ما يقلل من حدة التذبذب الموسمي.

في المحصلة، فإن نفاد زيت الزيتون من السوق الأردني، حتى مع اللجوء إلى الاستيراد، يكشف أن الحلول الظرفية لا تكفي ما لم تُعزَّز بإصلاحات هيكلية في إدارة سلسلة القيمة الزراعية والتجارية. المطلوب رؤية تكاملية تحفظ للمستهلك حقه في سلعة وطنية أساسية، وتضمن استدامة دخل المزارع، وتحقق استقرارًا سعريًا ينسجم مع متطلبات الأمن الغذائي والعدالة الاقتصادية.

مواضيع قد تهمك