الأخبار

فراس النعسان : القناعُ يسقطُ مجدداً

فراس النعسان :  القناعُ يسقطُ مجدداً
أخبارنا :  

في كل مرة يتفجّر فيها الغضب العربي والإسلامي إزاء تصريح أمريكي فاقع في انحيازه لإسرائيل، يبدو المشهد وكأنه اكتشاف متأخر لبديهيات قديمة. آخر هذه العواصف ما نُسب إلى السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، من أنه لا يرى مانعاً في أن «تستولي إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله». تصريح صادم في لغته، نعم، لكنه ليس صادماً في مضمونه ولا مفاجئاً في دلالاته؛ بل هو، في جوهره، إعادةُ صياغةٍ فجّةٍ لعقيدةٍ سياسيةٍ راسخةٍ في بنية العلاقة بين واشنطن وتل أبيب منذ ولادة الثانية برعاية الأولى.

فما الذي يجعلنا نتصرف وكأننا أمام قطيعةٍ تاريخيةٍ أو تحوّلٍ جذري؟ هل لأن التصريح قال بصوتٍ عالٍ ما ظلّ يُمارَس بهدوءٍ عمليٍّ لعقود؟ أم لأننا ما زلنا نتمسك بوهمِ المسافة بين الراعي ومرعاه، بين اليد التي تضغط الزناد واليد التي توفّر السلاح والغطاء والذخيرة الأخلاقية؟ الحقيقة أن إسرائيل، منذ إعلان قيامها عام 1948، لم تكن كياناً يعمل خارج المظلة الأمريكية، بل داخلها، ومن خلالها، وبها. كل حربٍ خاضتها، وكل احتلالٍ وسّعته، وكل مجزرةٍ ارتُكبت، كان يمرّ، بدرجةٍ أو بأخرى، عبر القناة الأمريكية: تمويلاً، تسليحاً، أو حمايةً دبلوماسيةً في مجلس الأمن.

من هذه الزاوية، لا يبدو تصريح هاكابي خروجاً عن النص، بل قراءةً حرفيةً له. فالرجل لم يأتِ من فراغ، بل من تقليدٍ أيديولوجيٍّ أمريكيٍّ إنجيليٍّ يرى في إسرائيل مشروعاً لاهوتياً وسياسياً معاً، ويُعيد تعريف الجغرافيا والتاريخ على أساسه. وهو، قبل توليه منصبه، لم يخفِ يوماً قناعته بأن «لا شيء اسمه فلسطيني»، وهي مقولةٌ ظلّ يكررها لسنوات، ولا اقتراحه العلني بأن تُقام الدولة الفلسطينية في مكانٍ آخر، باعتبار أن «هناك الكثير من الأراضي العربية والإسلامية، مقابل إسرائيل واحدة صغيرة». هذه الأفكار لم تكن زلات لسانٍ دبلوماسي، بل جوهر رؤيةٍ تعتبر وجود شعبٍ كاملٍ تفصيلاً قابلاً للحذف أو النقل.

إن الغضب مفهوم، لكنه يصبح أقل جدوى حين يُوجَّه إلى العَرَض لا إلى المرض. فالمشكلة ليست في تصريحٍ صريح، بل في منظومةٍ سياسيةٍ كاملةٍ جعلت من إسرائيل امتداداً استراتيجياً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. حين يُقصف قطاع غزة، أو يُوسَّع الاستيطان في الضفة الغربية، أو تُسنّ القوانين التي تُقنّن التمييز، لا يحدث ذلك في فراغٍ دولي، بل تحت مظلة دعم أمريكي شبه مطلق، يتجلى في المساعدات العسكرية السنوية، وفي الفيتو المتكرر داخل مجلس الأمن، وفي الخطاب الذي يبرّر كل شيء باسم «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، حتى حين يتحول الدفاع إلى عقاب جماعي دائم.

لذلك، فإن التعامل مع كلام هاكابي بوصفه حدثاً استثنائياً يسيء فهم القاعدة التي يصدر عنها. هو ليس شذوذاً في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، بل تكثيفاً لها. الفارق الوحيد أن الدبلوماسية التقليدية اعتادت أن تقول الشيء ونقيضه، أن توازن بين انحيازٍ عملي لإسرائيل وخطاب نظري عن حل الدولتين. أما هاكابي، فقد اختار أن يُسقط القناع البلاغي ويحتفظ بالوجه الحقيقي فقط. وهنا تكمن الصدمة: ليس في الفكرة، بل في صراحتها.

إن تاريخ العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية يقدّم أمثلة لا تُحصى على أن تل أبيب لا تتحرك خارج الإيقاع الذي تضبطه واشنطن. من الجسور الجوية العسكرية في الحروب، إلى المليارات المتدفقة سنوياً، إلى التنسيق الاستخباراتي العميق، وصولاً إلى الحماية السياسية في المحافل الدولية، كلها تشهد بأن الفاعلَين يعملان ضمن بنيةٍ واحدة، لا في مسارين متوازيين. وعليه، فإن القول بأن إسرائيل قد «تستولي على الشرق الأوسط» ليس سوى امتداد منطقي لفكرة أقدم: أن الهيمنة الإسرائيلية جزء من معمار الهيمنة الأمريكية في المنطقة.

المفارقة أن الدهشة العربية المتجددة تكشف أحياناً عن رغبةٍ دفينةٍ في تصديق الرواية الأمريكية عن نفسها: وسيطٌ نزيه، راعٍ للسلام، حَكَمٌ بين طرفين. لكن الوقائع، منذ عقود، تقول غير ذلك. وما قاله هاكابي لم يغيّر المعادلة؛ هو فقط نطق بها بلا زخرفة. لذلك، فإن الأجدى من إدانة التصريح بوصفه سابقةً، هو قراءته بوصفه اعترافاً: اعترافاً بأن ما كان يُقال همساً صار يُقال جهراً، وأن السياسة التي صاغت الواقع لم تعد تحتاج إلى أقنعة لغوية. في هذا المعنى، لا جديد في كلام الرجل، الجديد فقط أننا سمعناه هذه المرة بوضوحٍ لا يحتمل التأويل.

مواضيع قد تهمك