الأخبار

م. محمد النجداوي : البلديات واختبار صدقيّة التحديث

م. محمد النجداوي : البلديات واختبار صدقيّة التحديث
أخبارنا :  

كلّما سمعتُ كلمة «التحديث»، أتوقّف قليلًا؛ لا اعتراضًا عليها، بل تأمّلًا في معناها الحقيقي: ماذا يُقصَد بها تحديدًا؟

في الأردن، كما في كثيرٍ من الدول النامية، لا ينقصنا خطابُ الإصلاح. الكلماتُ حاضرة، والوثائقُ مصقولة، والمفاهيمُ واسعة: الحوكمة، الاستدامة، المشاركة. لكن ما يُقلق ليس وفرةَ الخطاب، بل المسافةُ التي تفصل بينه وبين واقع الناس اليومي.

ويبدو أنّ الاختبارَ الأكثرَ صدقًا لهذا التحديث يبدأ من الإدارة المحلية؛ حيث تُشكّل البلدياتُ المساحةَ الأقرب التي يُختبَر فيها القولُ بالفعل، وتتجسّد فيها السياساتُ خدماتٍ، والوعودُ إجراءاتٍ، والشعاراتُ نتائجَ ملموسة.

التقدّم لا يُقاس بعدد المؤتمرات التي تُعقد، ولا بجمال العروض التقديمية؛ بل يُقاس حين يلمس المواطن فرقًا حقيقيًا في الخدمات التي يتلقّاها، وفي العدالة التي يُعامَل بها، وفي قدرته على التأثير في القرارات التي تمسّ تفاصيل حياته. يُقاس حين ينتقل من موقع الانتظار إلى موقع المشاركة.

المعضلة، في تقديري، ليست غيابَ الرؤية، بل سؤالَ التنفيذ. فالدولةُ الحديثة ليست تلك التي تُعلن وجهتها فحسب، بل التي تمتلك القدرةَ المؤسسية للوصول إليها. وهنا تبرز الأسئلة الصعبة:

هل نملك الأدواتَ الكافية؟
هل نُقيّم أداءنا بصدقٍ وموضوعية؟
هل نُراجع إخفاقاتنا قبل أن نعزوها إلى الظروف؟

أخطرُ ما يُهدّد أيَّ مشروع تحديث ليس المعارضة، بل التآكلُ البطيءُ للثقة. فالثقةُ لا تنهار فجأةً، بل تتراجع بصمت؛ مع كلّ وعدٍ لا يتحقّق، ومع كلّ مشروعٍ يُعلَن عنه بصوتٍ أعلى مما يُنفَّذ. حين تتراكم الكلماتُ دون نتائج، يتراجع الإيمانُ، ويحلّ الحذرُ مكانه، ومع الحذر يضعف الإحساسُ بالانتماء.

ومن واقع التجربة، أرى أنّ الإدارةَ المحلية هي المحكُّ الحقيقي لأيّ إصلاحٍ سياسي. فالبلدياتُ والمجالسُ المحلية ليست أجهزةً إدارية فحسب، بل هي التجسيدُ الأقرب لحضور الدولة في حياة الناس اليومية، وهي الأقدرُ على فهم التفاصيل والضغوط والأولويات التي تصوغ حياة المجتمعات.

الانتقالُ من المركزية إلى لامركزيةٍ حقيقيةٍ فاعلةٍ ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورةٌ تنموية. غير أنّ اللامركزية ليست شعارًا يُرفَع؛ إنّها مسؤوليةٌ مضاعفة: تمنح صلاحياتٍ فعلية، لكنها — في الوقت ذاته — تحتاج إلى رقابةٍ قانونيةٍ متوازنة تحمي المالَ العام، دون أن تُعيد إنتاج المركزية بأسماءٍ بيروقراطيةٍ جديدة.

ويبقى السؤالُ الذي نعود إليه دائمًا:
هل تغيّر شيءٌ فعليًا في حياة الناس؟
هل اقترب القرارُ منهم؟
هل يشعر المواطنُ بأن صوته مسموع؟
إذا لم نستطع الإجابةَ عن هذه الأسئلة بوضوحٍ وبأدلةٍ ملموسة، فربما ما زلنا ندور في دائرة الخطاب.

المسؤوليةُ لا تقع على الدولة وحدها؛ فالمجتمعُ شريكٌ أيضًا. حين نكتفي بالروايات المطمئنة دون أن نُطالب بنتائج قابلةٍ للقياس، فإننا — دون قصد — نُسهم في توسيع الفجوة بين الوعد والإنجاز.

التحديث، في جوهره، ليس إعلانًا سياسيًا، بل ممارسةٌ يوميةٌ منضبطة. هو ثقافةُ تنفيذٍ قبل أن يكون ثقافةَ تعبير، وهو التزامٌ بتراكم الإنجازات الصغيرة — مهما بدت متواضعة — لأن حصيلةَ هذه الخطوات هي التي تبني الثقةَ التي لا تستطيع أبلغُ الخطب أن تصنعها.

لسنا بحاجةٍ إلى شعاراتٍ جديدة، بل إلى إرادةٍ ثابتة، ومؤسساتٍ صلبة، وتقييمٍ صادق؛ أن نعترف أولًا بوجود الفجوة — دون حساسيةٍ أو دفاعية — ثم نعمل بهدوءٍ على ردمها.

فالأوطان لا تُعرَّف بما تقوله عن نفسها، بل بما تُنجزه فعلًا.
والإنجازُ وحده هو معيارُ الشرعية، وبين القول والفعل تتكشّف الجدية… ويكتب التاريخ حكمه.


مواضيع قد تهمك