سلامة الدرعاوي : هل إصلاح الضمان محصور بالتقاعد؟
الجدل الدائر حول تعديلات الضمان الاجتماعي لا يتمحور حول مبدأ الإصلاح بحد ذاته، لكن حول الطريقة التي أُدير بها هذا الإصلاح وأولوياته.
أكثر ما أثار الرأي العام هو مسألة رفع سن تقاعد الشيخوخة وزيادة عدد
الاشتراكات، لأن هذه النقطة تمس ما يعتبره المشتركون 'مكتسبات' بنيت على
توقعات سابقة.
وفي الوعي القانوني الأردني ترسخت قاعدة أن القوانين لا تسري بأثر رجعي،
وعندما يشعر المشترك الذي أمضى عشر سنوات أو أكثر في بناء مساره التأميني
أن قواعد اللعبة تغيرت وهو في منتصف الطريق، فإن القلق يصبح مفهوماً وهو
محق ، حتى لو كان الهدف المعلن هو الاستدامة.
لكن النقاش لا يجوز أن يُختزل في هذه الزاوية فقط، اذ ان الضمان الاجتماعي
يجب ان يكون نظاماً استراتيجياً يدير مدخرات المشتركين ويؤثر في استقرار
الاقتصاد الكلي، والحفاظ على استدامته للأجيال المقبلة مسألة لا تقبل
المجاملة، غير أن الاستدامة لا تتحقق فقط بتقاعد الشيخوخة أو التضييق على
التقاعد المبكر، فهذه أدوات تقليدية استخدمتها حكومات سابقة، وعادت المشكلة
للظهور بعد سنوات، ما يعني أن الخلل أعمق من مجرد سن أو عدد اشتراكات.
الإصلاح الحقيقي للضمان لا يقاس بسرعة تحسين المؤشرات الاكتوارية على
الورق، بل بقدرته على معالجة جذور الخلل في سوق العمل والالتزام التأميني.
هناك أرقام لا يجوز تجاوزها في أي نقاش موضوعي، اذ ان نسب التهرب التأميني
تتجاوز 24 بالمئة، وبعض التقديرات تضعها أعلى من ذلك، وهذه نسبة تعني
عملياً أن جزءاً كبيراً من القوة العاملة يعمل خارج المظلة، بما ينعكس
مباشرة على إيرادات الصندوق.
كما أن المديونية المترتبة للضمان تقترب من مليار دينار، وهي أموال مستحقة
كان يفترض أن تكون أولوية في أي خطة إصلاح قبل تحميل المؤمن عليهم أعباء
إضافية، إضافة إلى ذلك، لا يزال ما يقارب نصف العاملين خارج الشمول
التأميني، بينما لا تتجاوز نسبة شمول العمالة الوافدة 15 بالمئة، وهذه فجوة
هيكلية، لا تعالج بقرار رفع سن.
الفجوة بين نمو أعداد المشتركين ونمو أعداد المتقاعدين تمثل تحدياً
حقيقياً؛ فالتقديرات تشير إلى نمو سنوي يقارب 3 بالمئة للمشتركين مقابل 8
بالمئة للمتقاعدين، ومعالجة هذه المعادلة عبر تأخير الاستحقاق فقط تعني
تأجيل الضغط لا أكثر، والمطلوب هو توسيع قاعدة الشمول بصورة منهجية،
ومكافحة التهرب بآليات رقابية حازمة، وضبط النفقات الإدارية، وتعزيز
الشفافية في إدارة الاستثمارات.
كما أن غياب نشر الدراسة الاكتوارية التفصيلية أضعف جودة النقاش العام، وفي
قضايا بهذا الحجم، لا يكفي إعلان نتائج مقتضبة، لذلك فإن القرار التشريعي
الواسع التأثير يجب أن يستند إلى بيانات متاحة للنقاش المهني، حتى لا يبدو
الإصلاح وكأنه خيار إداري سريع الأثر بدلاً من كونه سياسة مبنية على دليل.
الخلاصة أن الاستدامة المالية هدف مشروع، لكن الطريق إليه لا ينبغي أن يمر
حصراً عبر تشديد شروط التقاعد، وإذا لم يترافق إصلاح السن مع توسعة الشمول،
ومكافحة فعلية للتهرب، ومعالجة الاختلالات في سوق العمل، فإننا سنعود إلى
النقطة ذاتها بعد سنوات.
الإصلاح المتوازن هو الذي يحمي الصندوق دون أن ينقل عبء التصحيح بالكامل
إلى المؤمن عليهم، ويحافظ على الثقة باعتبارها رأس المال الحقيقي لأي نظام
تأميني. ــ الغد