د. محمد الجدب : إعمار غزة بين فجوة التمويل وفرص الاقتصاد الأردني
ليس إعلان "مجلس السلام" وعقد جلسته الافتتاحية في واشنطن حدثًا رمزيًا فحسب؛ بل اختبارًا عمليًا لقدرة المجتمع الدولي على تحويل التعهدات إلى أثر اقتصادي ملموس. فوفق ما أُعلن في الاجتماع، تجاوزت تعهدات الدول الأعضاء 7 مليارات دولار لصندوق الإغاثة والإعمار، بالتوازي مع إعلان مساهمة أميركية مُعلنة قدرها 10 مليارات دولار، بما يجعل "الحزمة المُعلنة” تقارب 17 مليار دولار.
وفي المقابل، تُقدّر الأمم المتحدة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 53.2 مليار دولار وتضع تقديرات أممية أخرى النطاق بين 40–50 مليار دولار، ما يعني أن فجوة التمويل لا تزال تتجاوز 36 مليار دولار إذا ما قيست بالكلفة الشاملة.
اقتصاديًا، استمرار عدم الاستقرار في غزة يرفع علاوة المخاطر على المنطقة بأسرها، بما فيها الأردن. تاريخيًا، ترتبط موجات التوتر الإقليمي بتراجع ملحوظ في تدفقات السياحة والاستثمار إلى الأردن. ومن زاوية القياس المحلي، تُظهر دراسات مدخلات– مخرجات للاقتصاد الأردني أن مضاعف إنتاج قطاع السياحة يبلغ 1.55، بينما يبلغ مضاعف قطاع النقل 1.48؛ أي أن كل دولار مفقود أو مُكتسَب في هذه القطاعات يتجاوز أثره الحدود المباشرة للقطاع ذاته إلى بقية الاقتصاد عبر الروابط الخلفية والأمامية. كما أن ارتفاع المخاطر الإقليمية ينعكس على كلفة التمويل السيادي والخاص، بما يضغط على الاستثمار وفرص العمل.
في المقابل، تُتيح عملية إعمار بحجم حزمة مُعلنة تقارب 17 مليار دولار فرصًا غير مباشرة للأردن عبر سلاسل الإمداد والخدمات المرافقة. تقديريًا، إذا استحوذت الشركات الأردنية على 2–4% فقط من عقود الخدمات اللوجستية والهندسية والتدريب المرتبطة بالإعمار، فإن ذلك يعادل 340–680 مليون دولار من النشاط الاقتصادي خلال دورة الإعمار الأولى. وبالاستناد إلى مضاعف نشاط لوجستي محافظ قريب من قطاع النقل في الأردن (1.48)، يمكن أن يترجم ذلك إلى أثر كلي على الناتج المحلي الأردني يتراوح تقريبًا بين نحو 0.50 و1.01 مليار دولار على مدى 3–5 سنوات، تبعًا لوتيرة الصرف وسلاسة النفاذ واستقرار سلاسل الإمداد، إضافة إلى فرص تشغيل مباشرة وغير مباشرة في النقل والتخزين والخدمات المهنية.
من منظور سياسات عامة، لا يكفي انتظار تسرّب الأثر الإيجابي. المطلوب حزمة تدخلات عملية منها إدراج الشركات الأردنية ضمن قوائم موردين معتمدين لدى الجهات الدولية المنفِّذة للإعمار، تفعيل تفاهمات تجعل من الأردن ممرًا لوجستيًا وخدماتيًا للإمدادات، بما يرفع حجم نشاط النقل والتخزين، توفير ضمانات ائتمانية وخطوط تمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة للدخول في عقود الإعمار عالية المخاطر، إطلاق منصة وطنية للمناقصات والفرص المرتبطة بالإعمار، مع برامج تدريب سريعة على معايير التعاقد الدولية، ربط المشاركة بأهداف تشغيل محلية واضحة، بمؤشرات أداء قابلة للقياس (عدد العقود، قيمة المشتريات من السوق الأردنية، فرص العمل).
يبقى
النجاح مرهونًا بثلاثية الأمن–النفاذ–الحوكمة. فبدون نفاذ مستقر للمواد
وتسريع للصرف، ستظل الأرقام وعودًا على الورق. وبالنسبة للأردن، فإن تحويل
إعمار غزة من حدث سياسي إلى رافعة نموّ يتطلب انتقالًا واعيًا من دور
المراقب إلى دور الفاعل السياساتي الذي يهيّئ المنظومة المؤسسية والتمويلية
لاستيعاب الفرص وتقليل المخاطر، بما يترجم الاستقرار الإقليمي إلى مكاسب
نموّ وتشغيل مستدامة في الداخل. ــ الراي