الأخبار

د. يزن دخل الله حدادين : من يكتب الخرائط الجديدة للسيادة الفلسطينية؟

د. يزن دخل الله حدادين : من يكتب الخرائط الجديدة للسيادة الفلسطينية؟
أخبارنا :  

إن ما يجري اليوم تحت عنوان "مجلس السلام" لا يمكن اختزاله في كونه مبادرة دبلوماسية عابرة أو منصة لتنسيق المساعدات، بل قد يشكّل، إذا ما أُحسن توظيفه، فرصة نادرة لإعادة إدراج حل الدولتين على طاولة الحوار الدولي بجدية مختلفة. المجلس الذي عُقد برعاية دونالد ترامب في واشنطن، وجمع عشرات الدول، قُدِّم بوصفه إطاراً لوقف إطلاق النار في غزة وتأمين إعادة الإعمار وبناء ترتيبات أمنية تمنع عودة المواجهة. غير أن القراءة الأعمق لا تستبعد أن يكون هذا الحراك مدخلاً لإعادة ضبط إيقاع الصراع ضمن مقاربة انتقالية تفتح نافذة سياسية جديدة بعد سنوات من الجمود. فحين تجتمع الإرادة الدولية حول تثبيت الهدوء، يصبح من الممكن البناء على هذا التوافق لإطلاق مسار سياسي أوسع يعيد تعريف الأولويات.

 

غزة في هذا السياق تبدو مسرحاً للمعالجة الإنسانية والأمنية، بينما الضفة الغربية تتحول إلى مسرح إعادة هندسة هادئة للواقع. فبينما ينشغل المجتمع الدولي بملفات الإغاثة وإعادة الإعمار، تتسارع على الأرض في الضفة خطوات إدارية وقانونية تعيد تعريف العلاقة بين الأرض والسيادة. التوسع الاستيطاني، وإعادة تصنيف الأراضي، وتعزيز السيطرة الإدارية في المناطق المصنفة "ج"، كلها مؤشرات على انتقال من إدارة مؤقتة إلى تثبيت وقائع دائمة. هذا المسار لا يُعلن كضم رسمي، لكنه يؤدي عملياً إلى تقويض الأساس الجغرافي الذي يقوم عليه حل الدولتين. ومع ذلك، فإن إدراج هذه الوقائع ضمن جدول أعمال دولي منظم، وربط أي دعم اقتصادي أو أمني بوقف الإجراءات الأحادية، يمكن أن يحول مجلس السلام من منصة إدارة أزمة إلى أداة كبح للتآكل الجغرافي.

يمكن قراءة مجلس السلام كأداة لإعادة توزيع المخاطر لا لإزالتها، لكنه قد يكون أيضاً مساحة لإعادة تعريفها سياسياً. تثبيت التهدئة في غزة يقلل من احتمالات الانفجار الإقليمي المباشر، ويمنح القوى الكبرى مساحة لإعادة ترتيب أولوياتها في الإقليم. وإذا ما استُثمر هذا الهدوء في إطلاق مسار تفاوضي متدرج ومحدد زمنياً، فإن الضفة الغربية يمكن أن تعود إلى مركز النقاش باعتبارها نواة الدولة الفلسطينية المقبلة لا ملفاً مؤجلاً. الضفة ليست مجرد جغرافيا، بل عقدة ديموغرافية وسياسية وأمنية تتجاوز حدودها، وأي تغيير جذري في بنيتها السكانية أو الإدارية سيعيد إنتاج الصراع بصيغة مختلفة.

ومن هنا، فإن استقراراً طويل الأمد يمر حتماً عبر أفق سياسي واضح، لا عبر ترتيبات أمنية منفصلة عن الحل النهائي.

السؤال الجوهري لم يعد نظرياً حول صلاحية حل الدولتين، بل عملياً حول قابليته للتنفيذ في ظل الوقائع المتغيرة. من الناحية التقنية، ما زال بالإمكان رسم حدود، وتبادل أراضٍ، وترتيب وضع أمني خاص للقدس، وصياغة ضمانات دولية. بل إن وجود إطار دولي واسع مثل مجلس السلام قد يوفر غطاءً متعدد الأطراف لتنفيذ مثل هذه الترتيبات، بما يخفف الكلفة السياسية على القيادات المحلية. صحيح أن الثقة بين الأطراف شبه معدومة، وأن البيئة الإقليمية تعطي الأولوية للاستقرار الأمني السريع، إلا أن التحولات الكبرى غالباً ما تبدأ من لحظات إدارة أزمة يتم تحويلها إلى فرص سياسية.

إن اعتبار حل الدولتين متراجع الحظوظ لا يعني أنه فقد قابليته للحياة. الفرق بين الاستحالة واللاحتمية يكمن في الإرادة السياسية والضغط الدولي المنظم. إذا بقي مجلس السلام إطاراً إنسانياً أمنياً منفصلاً عن مسار سياسي واضح للضفة الغربية، فإنه قد يرسخ الانقسام الجغرافي بين غزة والضفة. أما إذا جرى توسيع ولايته ليشمل وقفاً كاملاً للإجراءات الأحادية في الضفة، وتجميداً فعلياً للاستيطان، وإعادة تفعيل مسار تفاوضي بضمانات تنفيذية ملزمة، فإنه قد يتحول إلى منصة انتقالية تعيد حل الدولتين إلى صدارة المشهد الدولي، ليس كشعار بل كخطة عمل.

السيناريوهات المستقبلية للضفة الغربية يمكن اختصارها في ثلاثة مسارات محتملة. الأول استمرار الوضع الراهن مع تسارع الضم الزاحف، ما يقود إلى واقع دولة واحدة غير معلنة بنظامين قانونيين مختلفين، وهو مسار يحمل في داخله بذور انفجار طويل الأمد. الثاني انهيار السلطة الفلسطينية تحت ضغط اقتصادي وأمني، ما يخلق فراغاً قد تملؤه قوى محلية مسلحة أو تدخلات إقليمية غير مباشرة، وهو سيناريو عالي الكلفة على الجميع. الثالث إعادة إحياء مسار سياسي حقيقي برعاية دولية وإقليمية متقاطعة المصالح، يربط بين أمن إسرائيل وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذا المسار، رغم صعوبته، ليس وهماً سياسياً إذا ما تم ربطه بحوافز اقتصادية وضمانات أمنية واضحة، وجداول زمنية محددة، وآليات رقابة دولية فاعلة.

القوى الدولية تقرأ المؤشرات البعيدة لا العناوين اليومية. وهي تدرك أن استقراراً بلا أفق سياسي يتحول إلى هدنة هشة، وأن الضفة الغربية إذا فقدت إمكانية التحول إلى دولة، ستتحول إلى مساحة صراع مفتوح بأشكال جديدة. لكنها تدرك أيضاً أن توافقاً دولياً واسعاً، مهما كان دافعه الأول أمنياً، يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لإعادة هندسة المسار السياسي إذا توفرت الإرادة. الرهان الحقيقي إذن لا يكمن فقط في جمع التمويل أو تثبيت الهدوء المؤقت، بل في استخدام هذا الهدوء كمنصة لإعادة رسم الخرائط السياسية على أساس التفاوض لا فرض الوقائع.

إن تحويل حل الدولتين من فكرة متراجعة إلى مشروع قابل للتحقق يتطلب ربط كل مسار أمني أو إنساني بإطار سياسي ملزم زمنياً، وتحديد خطوط حمراء واضحة أمام أي تغيير أحادي في الضفة الغربية. التفاؤل هنا ليس عاطفياً، بل مبني على معادلة المصالح: استقرار دائم، وتسوية عادلة، ودولة فلسطينية قابلة للحياة ومعترف بها عالمياً وعضواً كاملاً في الأمم المتحدة. إذا استطاع مجلس السلام أن يترجم هذا الترابط إلى خطوات عملية، فقد لا يكون مجرد عنوان لمرحلة إدارة أزمة، بل بداية استعادة فرصة تاريخية كادت تضيع.

محامٍ وخبير قانوني

yazan.haddadin@haddadinlaw.com

مواضيع قد تهمك