الأخبار

مامون المساد : حين يتجاوز الخطاب حدود القانون: قراءة في تصريحات السفير الأمريكي

مامون المساد : حين يتجاوز الخطاب حدود القانون: قراءة في تصريحات السفير الأمريكي
أخبارنا :  

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاءت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى الكيان الإسرائيلي المحتل ، التي تحدث فيها عن "قبول” سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله، إضافة إلى الضفة الغربية، لتثير أسئلة جوهرية تتجاوز البعد السياسي المباشر، وتمسّ صميم النظام الدولي القائم على القواعد المقررة في الامم المتحدة .

القضية هنا ليست مجرد رأي دبلوماسي، بل خطاب يتعارض – من حيث المبدأ – مع أسس الشرعية الدولية التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية.

منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945،اذ قام النظام الدولي على قاعدة واضحة: احترام سيادة الدول، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي. هذه القاعدة ليست توصية أخلاقية، بل نصّ قانوني ملزم في ميثاق الأمم المتحدة، وأحد المبادئ الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens). وعليه، فإن الحديث عن "قبول” سيطرة دولة على إقليم دول أخرى، أو على منطقة بأكملها، يصطدم مباشرة بهذا الإطار القانوني.

في ما يتعلق بالضفة الغربية تحديدًا، فإن وضعها القانوني محسوم في قرارات الشرعية الدولية. فقد أكد مجلس الأمن الدولي في قراره 242 لعام 1967 مبدأ "عدم جواز اكتساب الأراضي بالحرب”، وهو مبدأ تم التأكيد عليه في قرارات لاحقة، أبرزها القرار 2334 لعام 2016 الذي اعتبر المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة "ليس لها أي شرعية قانونية”. كما بيّنت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 2004 أن الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، أراضٍ محتلة تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف.

إن أي طرح يضفي شرعية على السيطرة الدائمة أو الضمّ يتناقض مع هذه المرجعيات القانونية، ويُفرغ مفهوم الاحتلال من مضمونه القانوني، ليحوّله إلى واقع دائم. وهذا في حد ذاته خطر على النظام الدولي، لأن القبول بمنطق "الأمر الواقع” يعني تقويض قاعدة أساسية مفادها أن القوة لا تُنشئ حقًا.

أما الحديث عن "السيطرة على الشرق الأوسط بأكمله”، فهو يتجاوز حتى إطار النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي ليطرح تصورًا يتعارض مع مبدأ السيادة المتساوية بين الدول. دول المنطقة، من الخليج إلى بلاد الشام وشمال أفريقيا، كيانات ذات اعتراف دولي وحدود معترف بها، وعضوية كاملة في الأمم المتحدة. إن أي تصور لهيمنة إقليمية قسرية يتناقض مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو حق راسخ في القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.

تاريخيًا، أثبتت تجارب القرن العشرين أن منطق التوسع والهيمنة يقود إلى حروب مدمرة واضطرابات طويلة الأمد، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى إنشاء منظومة قانونية تهدف إلى منع تكرار تلك المآسي. ومن هنا، فإن خطورة مثل هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في ما تمثله من انزياح عن خطاب دبلوماسي يفترض به أن يكون منسجمًا مع القواعد التي تدّعي الدول الكبرى الدفاع عنها.

سياسيًا، قد تُقرأ هذه التصريحات في سياق مواقف داخلية أو توجهات أيديولوجية، لكن القانون الدولي لا يتبدل بتغير الإدارات أو بتصريحات فردية. الشرعية تُصنع عبر المعاهدات والقرارات الدولية والإجماع الجماعي، لا عبر مواقف آنية. كما أن دعم دولة لحليفتها لا يمنحها، قانونًا، حق تجاوز المبادئ المؤسسة للنظام الدولي.

إن الرد الأكثر عقلانية وفاعلية على مثل هذه الطروحات لا يكون بالانفعال، بل بإعادة التأكيد على الحقائق القانونية الثابتة: الضفة الغربية أرض محتلة وفق القانون الدولي؛ ضمّ الأراضي بالقوة غير مشروع؛ وسيادة الدول في الشرق الأوسط – كما في سائر أقاليم العالم – مصونة بموجب ميثاق الأمم المتحدة. فالاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر منطق السيطرة، بل عبر تسويات عادلة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وتحترم حقوق جميع الشعوب دون استثناء.

في المحصلة، يبقى السؤال الأعمق: هل يُراد للنظام الدولي أن يستمر قائمًا على القواعد، أم أن يُستبدل بمنطق القوة؟ إن الإجابة القانونية واضحة، أما الإجابة السياسية فتتوقف على مدى تمسك المجتمع الدولي بمبادئه، وعلى قدرته في الدفاع عنها عندما تتعرض للاختبار.

مواضيع قد تهمك