الأخبار

علاء القرالة : "الضمان"… مزاد الشعبويات بدأ

علاء القرالة : الضمان… مزاد الشعبويات بدأ
أخبارنا :  

في كل مرة يفتح فيها ملف قانون الضمان الاجتماعي، يخرج علينا من يتعامل مع هذا الملف كفرصة ذهبية لإشعال عواطف الناس لا لإدارة نقاش وطني مسؤول، ويقفز بعضهم عبر بوابة الشعبوية ليقدم نفسه حاميا للناس، واضعا الزيت على النار، فما غايتهم ولماذا الان؟.

 

لنكن واضحين جدا، فالضمان الاجتماعي ليس ساحة لتسجيل النقاط السياسية، ولا منصة لإعادة تدوير الخطاب الشعبوي، بل هو "عقد تضامن" طويل الأمد بين أجيال، لا بين حكومة وجيل واحد ولا بين مؤسسة ومجموعة مستفيدين حاليين، ولهذا يجب أن لا "يختزل النقاش" فيه عبر زاوية عاطفية ضيقة.

للأسف، الشعبوية في هذا السياق لا تدافع عن العدالة، بل تعيد تعريفها وفق حجم المزاج العام ومدى الاستفادة منه، وتقدم الامتياز الفوري على أنه حق مطلق، وتتعامل مع أي محاولة لضبط المسار باعتبارها استهدافا للفئات الشعبية، ولكنها في الحقيقة تتجاهل السؤال الخطير والمهم من سيدفع الكلفة لاحقا؟

الأردن، كغيره من الدول، يواجه"معادلة ديموغرافية" لا يمكن القفز فوقها بالشعارات والمزايدات؛ فمتوسط الأعمار في ارتفاع، وعدد كبار السن يتزايد، فيما تتراجع "قاعدة الممولين" المحتملين مستقبلا، وهذا التحول حقيقة سكانية واقتصادية، حيث أنه ومع كل حالة "تقاعد مبكر" تتوسع الفجوة بين الداخلين إلى سوق العمل والخارجين منه، ويتحول الاستثناء إلى ثقافة.

الخطاب الشعبوي يروج لفكرة أن أي تعديل هو انتقاص من حقوق الناس، لكنه لا يخبر الشاب الذي يبدأ عمله اليوم أنه قد يمضي عقودا يمول نظاما قد لا يجد فيه ذات السخاء عندما يحين دوره، وكما انه لا يخبر الأجيال المقبلة أن القرارات "الشعبية" اليوم قد تعني قيودا قاسية غدا.

المشكلة ليست في الحالات الإنسانية أو المهن الشاقة التي تتطلب ترتيبات خاصة، لكنها تحدث حين يعمم الاستثناء، ويصور الخروج المبكر من سوق العمل كأنه مكسب بلا كلفة، و"الضمان" ليس صندوقا مفتوحا بلا سقف، بل منظومة مالية دقيقة، تتأثر بكل سنة اشتراك تفقد، وكل سنة صرف تضاف.

نعم من حق المواطنين أن يقلقوا على حقوقهم، ومن حقهم أيضا أن يعرفوا الحقيقة كاملة، لا نصفها التي تخدم رواية معينة، فالإصلاح ليس خصومة مع الناس، بل صيانة لمدخراتهم وضمانا لحقوق أبنائهم، وأما استثمار الملف لإشعال الشارع أو تسجيل المواقف، فهو أقصر الطرق إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات وإرباك الرأي العام.

خلاصة القول، العدالة الحقيقية ليست في إرضاء جيل واحد، بل في حماية ثلاثة أجيال معا، من يدفع اليوم، ومن يستفيد الآن، ومن لم يدخل سوق العمل بعد، وعندما يتخذ قرار يرضي الحاضر على حساب المستقبل، فإننا لا نمارس العدالة، بل نرحل الأزمة، ونكون قد انتصرنا لجيل على حساب جيلين قبله وبعده.

مواضيع قد تهمك