الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : تغيير أسماء الأحزاب السياسية

أ. د. ليث كمال نصراوين : تغيير أسماء الأحزاب السياسية
أخبارنا :  

أعلنت الهيئة المستقلة للانتخاب قبل أيام موافقتها على تغيير عدد من الأحزاب السياسية لأسمائها، وهو قرار يكتسب أهميته من كونه يوازن بين حق الأحزاب في اختيار الاسم الذي يميزها في المجال العام، وبين القيود الشكلية والموضوعية التي يقررها القانون. فالمادة (7) من قانون الأحزاب السياسية تشترط أن يتضمن النظام الأساسي للحزب اسمه وشعاره، على ألا يكون أي منهما مطابقا لاسم أو شعار حزب أردني آخر، وألا يحمل دلالة مناطقية أو عائلية، أو يطابق اسم حزب غير أردني أو يتضمن ما يخالف النظام العام.

كما تنص المادة (5) من القانون ذاته على وجوب تأسيس الحزب على أساس المواطنة والمساواة بين الأردنيين، وتحظر إنشاء أي حزب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية، أو على أساس التفرقة بسبب الجنس أو الأصل. ويفهم من ذلك أن المشرع لم يترك حرية التسمية مطلقة، بل أخضعها لجملة من الضوابط التي تهدف إلى حماية النظام العام وضمان الطابع الوطني الجامع للتنظيم الحزبي.

أما الأساس الدستوري لتغيير أسماء الأحزاب السياسية، سواء تم ذلك بمبادرة منها أو بناء على طلب من الهيئة المستقلة للانتخاب بصفتها صاحبة الولاية العامة في إدارة شؤون الأحزاب، فينطلق من المادة (16) من الدستور التي تكفل للأردنيين حق تأليف الأحزاب السياسية، على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور. فالأصل في هذا النص هو حرية التنظيم الحزبي، على أن يقتصر تدخل المشرع على تنظيم هذه الحرية في حدود الشرعية الدستورية، وبما يضمن التزام الحزب بشروط القانون، ومن ضمنها ما يتعلق باسمه وشعاره وأهدافه.

وفي هذا السياق، يبقى التساؤل الأبرز حول التبعات القانونية والدستورية المترتبة على تغيير اسم الحزب، وأثر ذلك على ممثليه في مجلس النواب وعلى مناصريه وناخبيه الذين صوتوا له تحت اسمه السابق. وللإجابة عن هذا التساؤل، تنص المادة (13) من قانون الأحزاب السياسية على أن الحزب يكتسب شخصيته الاعتبارية بعد الإعلان عن تأسيسه والموافقة عليه، وبذلك تنشأ هذه الشخصية بقرار تسجيله، وتبقى قائمة ما دام مستوفيا لشروط وجوده القانونية.

أما الاسم، فهو أداة تعريف وتمييز في المجال العام، كغيره من البيانات التنظيمية، مثل الشعار أو المقر. وعليه، فإن تغييره - متى تم وفق الأصول المقررة - لا يؤدي إلى نشوء شخص معنوي جديد، ولا إلى انقضاء الشخصية القائمة، بل يبقى الكيان القانوني ذاته مستمرا بذمته المالية وحقوقه والتزاماته بأشكالها المختلفة.

ولا يمس تغيير اسم الحزب جوهر النظام النيابي أو استقراره؛ فالمقعد النيابي يثبت للنائب المنتخب بإرادة الناخبين وفق أحكام الدستور وقانون الانتخاب، ويحتفظ به ضمن الإطار الحزبي الذي انتخب على أساسه. فما دام الحزب لم يُحل أو يندمج في كيان آخر وفق الإجراءات القانونية، فإن تغيير اسمه لا يؤثر في الصفة النيابية لمنتسبيه داخل المجلس، وإنما يقتصر أثره على تعديل المسمى الذي يعملون تحته في إطارهم الحزبي، دون أن يمس مشروعيتهم التمثيلية.

وبالنسبة إلى جمهور الناخبين، فإن قرار تغيير الاسم يصدر عن الجهة المختصة داخل الحزب وفقا لنظامه الأساسي وإجراءاته الداخلية، فتترتب عليه آثاره الملزمة بحق أعضائه ومنتسبيه. ولا يعد تغيير الاسم في ذاته تعديلا تلقائيا لأهداف الحزب أو برامجه، ما لم يقترن بإجراءات صريحة لتعديل البرنامج وفق الأصول المقررة في القانون.

ومن زاوية العلاقة مع الغير، فإن أثر تغيير الاسم لا يتجاوز حدود التسمية؛ إذ إن الشخص الاعتباري يبقى محتفظا بذمته المالية وحقوقه والتزاماته ما دام قائما. فالعقود التي أبرمها باسمه السابق تبقى نافذة، والمراكز القانونية الناشئة عن مشاركاته الانتخابية أو تعهداته المالية تظل قائمة دون انقطاع. ولا يجوز الاحتجاج بتغيير الاسم للتحلل من التزامات سابقة أو للتنصل من مسؤوليات مالية أو تنظيمية، لأن الكيان القانوني واحد لم يتبدل، وإنما تغيرت وسيلة التعريف به.

كما لا يملك الحزب -بمجرد تعديل اسمه- أن يتبرأ من الالتزامات القانونية المفروضة عليه بموجب التشريعات النافذة، سواء تلك المتعلقة بالإفصاح أو التقارير المالية أو شروط الاستمرار وعدد الأعضاء. فالرقابة القانونية تتعلق بالكيان المسجل في السجل الرسمي للأحزاب، لا بالعنوان الذي يحمله في مرحلة معينة، فأي إخلال بأحكام القانون ينسب إلى الحزب ذاته ويترتب عليه ما يقرره القانون من جزاءات.

ويؤكد ذلك ما شهدته الأنظمة المقارنة؛ ففي المملكة المتحدة تم تعديل اسم "حزب بريكست" عام 2021 إلى "حزب الإصلاح في المملكة المتحدة" وفقا للإجراءات القانونية المعتمدة، دون أن يُعد ذلك تأسيسا لكيان جديد، إذ بقي الحزب محتفظا بشخصيته الاعتبارية وحقوقه والتزاماته.

خلاصة القول، إن تغيير أسماء الأحزاب السياسية لا يعدو أن يكون تعديلا تنظيميا في إطار كيان مستمر يتمتع بالشخصية الاعتبارية ذاتها. فالحزب، مهما تغير مسماه، يبقى مسؤولا عن برنامجه وخياراته والتزاماته داخل البرلمان وأمام ناخبيه، في ظل نظام قانوني راسخ يقوم على استمرارية المؤسسات ولو بعد تعديل المسميات.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

ــ الراي

مواضيع قد تهمك