الأخبار

أ. د. صلاح العبادي : دواعش بنسخة محدّثة!

أ. د. صلاح العبادي : دواعش بنسخة محدّثة!
أخبارنا :  

تواصل السلطات السوريّة تفكيك مخيم الهول عبّر نقل من تبقى ممن يقطن المخيّم في الحسكة إلى حلب، في خطوةٍ تهدفُ إلى إغلاق المخيم بشكلٍ نهائي.

 

وصلت قوافلة تضمُ أطفالا ونساء من المخيم إلى منطقة في ريف حلب الشمالي. كل ذلك يأتي في ظل أنباء عن فرار عائلات منتمية إلى تنظيم داعش خلال الأحداث الأخيرة، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية ظهور نسخة محدّثة من تنظيم داعش؟

مخيّم الهول الذي أُنشئ لإيواء اللاجئين بعد حرب الخليج في العام 1991، قبل أن يُسيطر عليه التنظيم بعد اندلاع الأحداث في سوريا في العام 2011، ومن ثم استعادت قوات سوريا الديمقراطيّة السيطرة عليه في العام 2015، الأمر الذي دفع نحو أكثر من 37 ألفاً شخصٍ للفرار إليه، معظمهم من زوجات وأبناء مسلحي داعش بعد هزيمة التنظيم في العام ألفين وتسعة عشر، وشكّل الأطفال أكثر من نصف سكانه، وفي العام 2026 انسحبت منه قوات سوريا الديموقراطيّة.

فعليًا ما حدث في المخيم كارثة غير متوقعة، وعمليات الهروب التي حدثت كانت بعيدة عن أعين عناصر الأمن السوري، خصوصًا وأنّ هروب أكثر من ثمانين بالمئة من قاطني المخيم يعود إلى عمليات التسليم التي قامت بها قوّات قسد بشكّل غير رسمي، والانسحاب المفاجئ منه، وهو ما حال دون وقوع عمليّات سيطرة فوريّة على المخيم، وتدمير أجهزة المراقبة وقتل عدد من عناصر قسد الذين كانوا على بوابة المخيّم، حتى أنّ بعض عناصر قسد أطلقوا النار على بعض قاطني المخيّم، وهو ما أدى إلى حالة من الفوضى الانتقاليّة، قبل وصول قوات الأمن الحكوميّة إلى المخيّم؛ لفرض حالة من السيطرة عليه، والذي غدا اليوم شبه مفرغ من سكانه، بعد أن نقلوا إلى مخيماتٍ أخرى.

تفكيك هذا المخيم بشكله الكامل كان يتطلب خطّة واضحة، لضمان عدم هروب ما تبقى فيه من عائلات إلى المدن الأخرى؛ وهنا لا بد من الإشارة إلى خطورة ذلك على المجتمعات الأخرى، والتي من المؤكّد بأنّها ستشهد ظهور نسخة قد تكون محدثة من هذا التنظيم الارهابي.

في مخيّمات عائلات داعش هناك آلاف القصص المعلّقة بين الموت والحياة، فهي ليست مجرد بقعة جغرافيّة تضم خيم مهترئة؛ بل هي مظلّة من الإيديولوجيات

التي لم تُخلّف إلا الرماد والمصير المجهول. دمج هؤلاء ملف خطير وغاية في التعقيد، وهو أمر خطير على المجتمعات التي يمكن أن تستوعبهم، وهنا تبرز التحديّات الإنسانيّة قبل الأمنيّة. فكيف يمكن لهذهِ المغضلة أن تُحلّ بعيدًا عن الأسلاك الشائكة؟.

السلطات السوريّة تواصل نقل من تبقى من قاطني مخيم الهوّل في الحسكة إلى مخيّماتٍ في حلب في خطوةٍ تهدفُ إلى إغلاق مخيّم الهول بشكلٍ نهائي خلال أسبوع.

وجود هذهِ الفئة في مخيمات خاصّة بها يتطلب برامج واضحة، لإعادة تأهيلها في المخيّمات، ومن ثم دمجها في المجتمع.

مغادرة عدد من سكان المخيم الذي يضم عدد من عائلات مسلّحي داعش بشكلٍ غير قانوني، يثير مخاوف كبيرة على المجتمع السوري تحديدًا وربما للدول المجاورة.

فمنذ هزيمة تنظيم داعش قبل سنوات، بقيت مخيّمات في شمال شرق سوريا وفي مقدمتها مخيم الهول وروج، التي تضم آلاف من النساء والأطفال، في وقت تشير التقديرات إلى أن العدد الإجمالي يتجاوز أربعين ألف شخصٍ، ثلثيهم من الأطفال وغالبيتهم في عُمر الثانية عشر أو أقل بقليل. فيما يقارب عدد الأجانب نحو العشرين ألف ينحدرون إلى أكثر من خمسين جنسيّة.

تضم هذهِ المخيّمات أكبر عددٍ من السوريين والعراقيين، إلى جانب عائلاتٍ من دولٍ أوروبيّة، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا، إضافة إلى استراليا وروسيا وبعض الرعايا من دولٍ آسيويّة وشمال إفريقيا ودولٍ عربيّة.

قبل أيام منعت الحكومة الاستراليّة أحد مواطنيها بناء على صلةٍ مزعومةٍ له بتنظيم داعش من العودة من مخيم احتجازه في سوريا إلى استراليا، هو واحدٌ من بين أربعة وثلاثين استراليًا داعشيًا يريدون السفر والعودة إلى أستراليا. رئيس الوزراء الاسترالي أكّد بأن أستراليا لن تعيد هؤلاء إلى البلاد، ومن المرجح أن يكون هذا هو قرار كثير من الدول في حال تعرضت للموقف ذاته، في إطار الحرص على حماية أراضيها من أصحاب الفكر الظلامي.

وهنا يطرح تساؤل حوّل على من أصبح عبء الدواعش في المرحلة الحاليّة؟

فالقوات الوسطى الأمريكية أعلنت قبل أيام إنجاز مهمتها في سوريا المتمثلة في نقل معتقلين من تنظيم داعش إلى العراق، في مهمة استمرّت أكثر من أسبوعين، ونجحت في نقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر التنظيم إلى مراكز الاحتجاز في العراق. فكيف ستتعامل السلطات العراقيّة قانونيًا مع الدواعش المنقولين في سوريا خاصّة، وأنّ أغلبهم من الجنسيّة السوريّة؟ وإلى أيُّ مدى يشكّل نقل عناصر داعش إلى العراق تحديًّا أمنيًّا جديدًا ينقل العبء الأمني من سوريا إلى العراق؟.

كل ذلك يأتي في وقت بدأت الولايات المتحدة الأمريكية سحب جميع قواتها من سوريا؛ والبالغ عددها نحو ألف جندي، في خطوةٍ تهدف إلى إنهاء عمليّة عسكريّة استمرّت نحو عشر سنوات داخل البلاد. في الوقت نفسه الولايات المتحدة أحبطت محاولة هروب كارثيّة لستة آلاف مقاتل من تنظيم داعش في سوريا، وهو الأمر الذي كان يهدد إنزلاق سوريا في فوضى غير مسبوقة.

فهل يستطيع الجيش السوري تحمّل المسؤوليّة الأمنيّة وحده في هذا الوقت؟ وما هو مصير أبناء الدواعش الذين عاشوا في مخيّماتٍ خاصّة بهم، وهم يحملون أيديولوجيا متطرفة وأنطلقوا إلى مجتمعات أخرى بشكّل غير قانوني قُبيل اخضاعهم لبرامج ادماج بالمجتمعات، لغسل أفكارهم والتي ربما تشربت من أفكار ذويهم؟.

وهل ستشهد سوريا خلال السنوات المقبلة ظهور نسخة محدّثة من داعش في حال لم ينخرط أبناء أعضاء التنظيم في برامج إصلاحٍ اجتماعي؟! وما خطورة ذلك على جيران سوريا في المنظور القريب والبعيد؟.

مدير مركز الرَّأي للدراسات والأبحاث

مواضيع قد تهمك