اسماعيل الشريف : معسكرات اعتقال
أرى أن غزة يمكن أن تصبح ريفييرا الشرق الأوسط، وقد تكون شيئًا رائعًا للغاية - ترامب.
يروي الكيميائي والكاتب اليهودي بريمو ليفي، في كتابه الشهير «إن كان هذا إنسانًا»، تجربته في معسكر الاعتقال النازي أوشفيتز. ويذكر أنه سأل أحد الحراس عن سبب منعه من أخذ قطعة من الجليد ليخفف بها عطشه، فأجابه الحارس بعبارة تختصر قسوة المكان وتجرّده الكامل من الإنسانية: هنا لا وجود لكلمة لماذا!.
تروّج صحيفة «إسرائيل هيوم» الصهيونية اليمينية، الموالية لمجرم الحرب نتن ياهو، لمشروع يعتزم «مجلس السلام»، بدعم صهيوني، إنشاء ما يصفه بـ«ملاجئ إنسانية» للمدنيين الفلسطينيين في منطقة رفح، متذرعًا بحجة زائفة تتمثل في نقل الفلسطينيين بعيدًا عن سيطرة حركة حماس.
وأشارت الصحيفة إلى أن المشروع التجريبي سيُقام في منطقة تل السلطان، بحضور قوات متعددة الجنسيات، وأن آلية عمله ستشبه آلية مراكز توزيع المساعدات السابقة؛ وهي المراكز ذاتها التي تحولت إلى أفخاخ لقتل الفلسطينيين وإذلالهم. وبالطبع، لم يتطرق التقرير إلى حقوق الفلسطينيين أو إلى الظروف التي سيعيشونها داخل معسكرات الاعتقال هذه، بل انصب اهتمامه على اعتراضات سكان المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، الذين يطالبون باحتلال القطاع، وطرد سكانه، وإقامة المستوطنات على أرضه.
ونشر موقع «دروب سايت نيوز»، وهو موقع استقصائي أمريكي مستقل، تفاصيل هذا المخطط، استنادًا إلى وثائق عُرضت على مركز التنسيق المدني–العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة، ويضم ضباطًا صهاينة ودوليين.
وبحسب التقرير، تقوم الخطة على إنشاء ما يسمى «مجتمعًا مخططًا»، وهو تعبير ملطف يراد به إخفاء حقيقة إنشاء معسكرات اعتقال داخل منطقة تخضع بالكامل للسيطرة العسكرية الصهيونية، وتتسع لنحو خمسة وعشرين ألف فلسطيني. وتشمل الخطة إخضاع جميع السكان لفحص أمني قبل السماح لهم بدخول المنطقة، وتسجيلهم باستخدام بياناتهم ووثائقهم البيومترية، وإلزامهم بالمرور عبر نقاط تفتيش عند الدخول والخروج، وربط عملية تسجيلهم بأرقام الهوية الفلسطينية بالتنسيق مع وحدة «كوغات» التابعة للجيش الصهيوني.
كما تتضمن الخطة مراقبة المعاملات الاقتصادية، وتشجيع استخدام المحافظ الإلكترونية بالشيكل بدلًا من التعامل النقدي، وإخضاع البضائع والمساعدات والمنتجات للفحوص والقيود الأمنية، وإنشاء قوة شرطة محلية تعمل تحت إشراف قوة أمنية دولية. ولن يُسمح لجميع الفلسطينيين بالإقامة في هذه المعسكرات، بل سيُنتقى السكان وفق معايير محددة، تشمل العائلات وبعض أصحاب المهن التي تُعد ضرورية، فضلًا عن تطبيق برامج تعليمية قائمة على ما يطلق عليه اسم «ثقافة السلام».
ويذكر الموقع أن تحليل صور الأقمار الصناعية كشف عن أعمال تجهيز في موقع تبلغ مساحته نحو كيلومتر مربع، يقع عند تقاطع ممرين عسكريين في رفح. كما نقل عن مسؤول أممي سابق تحذيره من أن يتحول هذا المشروع إلى نموذج يمكن تعميمه لتوسيع نطاق السيطرة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الصهيونية المفروضة على السكان الفلسطينيين.
وقد نشر «مجلس غزة للسلام»، وهو الجهة ذاتها التي أثبتت انسجامها الكامل مع كل ما يريده الكيان، صورًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهر وصول المعدات المخصصة لبناء هذه المعسكرات، بما يتطابق مع ما ورد في التقريرين.
يسوّق الصهاينة هذه الخطة بوصفها مشروعًا إنسانيًا، غير أنها في حقيقتها ليست سوى معسكرات اعتقال للفلسطينيين. فعندما تُقدِم قوة احتلال على إنشاء تجمعات مغلقة، وتحشر السكان داخلها، وتمنعهم من المغادرة، وتجردهم من حريتهم وحقوقهم، وتخضعهم للمراقبة والتجسس، وتقتلهم تحت أي ذريعة، فلا يمكن تسمية ذلك إلا باسمه الحقيقي: معسكرات اعتقال.
لن تؤدي هذه المعتقلات إلا إلى مضاعفة معاناة أهل غزة؛ فهي ليست مشروعًا منفصلًا، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى تهجيرهم خارج القطاع. ألم يدعُ وزير المالية الصهيوني مرارًا إلى تقليص عدد سكان غزة من خلال دفعهم إلى ما سماه «الهجرة الطوعية»؟ بل صرح أكثر من مرة بأن إبقاء عدد محدود من الفلسطينيين في القطاع، يتراوح بين مئة ألف ومئتي ألف نسمة بدلًا من مليوني نسمة، من شأنه أن يغير واقع غزة تغييرًا جذريًا.
هي خطة تحوّل الإنسان إلى رقم، والوطن إلى معسكر، والحرية إلى امتياز تمنحه قوة الاحتلال لمن تختار، وتسلبه ممن تشاء.
في غزة، لا وجود لكلمة «لماذا»!