فراس النعسان : خطاب إيراني يقود المنطقة إلى الهاوية
الرسالة التي وجهها المرشد الإيراني الجديد، متعهداً بالثأر لمقتل والده علي خامنئي، لا يمكن النظر إليها بوصفها موقفا عاطفيا في لحظة تشييع، وإنما هي فعليا إعلان سياسي يعيد إنتاج المنطق الإيراني ذاته الذي أوصل المنطقة إلى هذا المستوى غير المسبوق من الصراعات.
حين يصبح «الثأر» مشروع دولة، تتحول السياسة إلى رهينة للماضي، ويصبح المستقبل أسيراً لسلسلة لا تنتهي من الردود والردود المضادة. فالدول لا تُدار بمنطق القبيلة، ولا تُبنى استراتيجياتها على مشاعر الغضب، بل على حسابات المصالح الوطنية وحماية المواطنين وتجنيبهم ويلات الحروب.
الأخطر في البيان ليس التعهد بالمحاسبة، فهذا حق تسعى إليه الدول عبر القانون الدولي، وإنما الحديث عن أن «أحرار العالم سيبدأون قريباً جزءاً من مهمة الانتقام». هذه العبارة تحمل دلالات تتجاوز حدود إيران، وتفتح الباب أمام استخدام الجماعات المسلحة والوكلاء الإقليميين لتنفيذ عمليات تحت عنوان الثأر، بما يعني توسيع دائرة العنف في منطقة لم تلتقط أنفاسها بعد من آخر مواجهة عسكرية.
لقد دفعت شعوب المنطقة أثماناً باهظة نتيجة سياسة المحاور والصراعات المفتوحة. مدن دمرت، واقتصادات انهكت، وملايين المدنيين وجدوا أنفسهم وقوداً لمعارك لا يملكون قرارها. فهل المطلوب اليوم إضافة فصل جديد إلى هذه المأساة، أم البحث عن مخرج سياسي يمنع اندلاع حرب أخرى؟
المفارقة أن إيران نفسها تواجه تحديات داخلية هائلة؛ اقتصاد يرزح تحت العقوبات، واستثمارات هاربة، وشباب يبحث عن فرص العمل، ومجتمع يحتاج إلى الاستقرار أكثر من حاجته إلى شعارات التعبئة. ومن الصعب تصور أن أولوية المواطن الإيراني اليوم هي فتح جبهة انتقام جديدة، بقدر ما هي استعادة حياة طبيعية ومستقبل أقل توتراً.
الأردن، الذي كان دائماً من أكثر الدول تحذيراً من مخاطر التصعيد الإقليمي، يدرك أن أي موجة عنف جديدة لن تقف عند حدود دولة بعينها. فالمنطقة مترابطة أمنياً واقتصادياً، وأي شرارة قد تمتد آثارها إلى الجميع، من حركة التجارة والطاقة إلى أمن الملاحة والاستقرار السياسي.
ليس مطلوباً من إيران أن تنسى قتلاها، كما ليس مطلوباً من أي دولة أن تتخلى عن حقها في الدفاع عن نفسها. لكن، هناك فرق شاسع بين السعي إلى العدالة، وبين تحويل الانتقام إلى عقيدة سياسية. فالعدالة تنهي الصراع، أما الانتقام فيضمن استمراره.
لقد أثبت تاريخ الشرق الأوسط أن كل دعوة للثأر أنجبت ثأراً مضاداً، وكل حرب خلّفت حرباً أخرى. وإذا كانت القيادة الإيرانية الجديدة تريد أن تكتب صفحة مختلفة في تاريخ بلادها، فإن البداية لا تكون بتوسيع دائرة المواجهة، بل بكسر الحلقة المفرغة التي جعلت المنطقة أسيرة لشعار واحد يتكرر منذ عقود: الدم يقابل الدم. ذلك الشعار لم يصنع نصراً دائماً لأحد، لكنه صنع خسارة دائمة للجميع.