د. علي عبد السلام المحارمة : السياسة الخارجية الأمريكية تعود إلى نهج صنع القرار المؤسسي
بعد نحو ثمانية عشر شهراً اتسم فيها أسلوب قيادة الرئيس دونالد ترامب -إلى حد كبير- بطابع شخصي بحت في اتخاذ القرارات، وما رافق ذلك غالباً من مواقف اندفاعية في السياسات الداخلية والخارجية لم تكن تعكس بالضرورة القيم الراسخة للدولة الأمريكية أو دورها التاريخي كقائدة للعالم الديمقراطي الليبرالي، يمكننا الآن رصد مؤشرات حذرة على عودة تدريجية لنهج أكثر مؤسسية وتوازناً من الناحية الاستراتيجية في السياسة الخارجية الأمريكية.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك، التركيز الاستراتيجي المتجدد على التحالف عبر الأطلسي، ولا سيما حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويبدو أن هذا التحول يتجاوز الخطاب السابق للرئيس وانتقاداته الموجهة لحلفاء أمريكا الأوروبيين التقليديين . ومن غير المرجح أن تكون عملية إعادة التقييم هذه نابعة فقط من تفضيلات الإدارة ذاتها؛ بل إنها تعكس تأثير البنية المؤسسية الراسخة في أمريكا -بما في ذلك مؤسسات الأمن القومي، وهيئات صنع السياسات، ومراكز الفكر المؤثرة- التي تواصل تشكيل عملية صنع القرار الاستراتيجي.
وفي نهاية المطاف، تظل الولايات المتحدة دولة ذات طابع مؤسسي عميق الجذور؛ إذ لا تتحدد سياستها الخارجية بناءً على تفضيلات أي قائد فردي فحسب، بل عبر منظومة معقدة من المؤسسات المصممة لحماية المصالح الوطنية طويلة الأمد.
ويقدم هذا الأمر درساً مهماً للحكومات العربية؛ فالتفاعل المستدام مع الولايات المتحدة لا ينبغي أن يعتمد في المقام الأول على العلاقات الشخصية مع القادة السياسيين. بل يتعين إيلاء اهتمام أكبر لبناء شراكات مؤسسية طويلة الأمد وتعزيز التواصل مع مراكز الأبحاث ومعاهد السياسات ومراكز الفكر الاستراتيجي، حيث تُطوَّر وتُصاغ العديد من الأفكار والتوجهات السياسية التي تؤثر في عملية صنع القرار الأمريكي.