اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رلى السماعين : هل نستعين بالذكاء الاصطناعي أم نستبدل به ذكاءنا البشري؟

رلى السماعين : هل نستعين بالذكاء الاصطناعي أم نستبدل به ذكاءنا البشري؟
أخبارنا :  

سمعتها من أحدهم، وهو شخص كبير في العمر والمقام، حين وصف علاقته بـChatGPT بأنها «صداقة قوية». يُصبح عليه، يستشيره، ويستسره، قالها ببساطة.

تأملت تلك الحاجة البشرية إلى التواصل الدائم. حاجة الإنسان إلى من يسمعه، ويجيبه، ويمنحه مساحة للكلام. وحين لا يجد ثقته أو مبتغاه لدى البشر، هل يمكن أن يبحث عنهما في آلة؟ بل أن يبني معها، مع الوقت، علاقة شخصية يراها حميمة؟ وربما هنا تكمن قوة هذه التقنية وخطورتها في آن واحد. فهي صُممت لتتحدث معنا؛ «تأخذ وتعطي»، تسأل وتجيب، وتتابع الحوار بطريقة تقترب، في ظاهرها، من إيقاع الحديث البشري.

في نظري، هي في جوهرها امتداد أكثر تطورًا لمحركات البحث، مثل Google. الفارق ليس بالأمر السهل. فمحرك البحث يمنحك نتائج، أما ChatGPT فيمنحك حوارًا، يرد عليك، يتابع فكرتك، ويتذكر سياق الحديث داخل المحادثة، فيخلق لديك انطباعًا بأن هناك «طرفًا آخر» يصغي إليك.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: متى تتحول الأداة من وسيلة نستخدمها، إلى علاقة نلجأ إليها؟.

دخل الذكاء الاصطناعي حياتنا بسرعة مذهلة. ففي غضون سنوات قليلة فقط، أصبح مساعدنا ومستشارنا ومترجمنا وباحثنا، بل وصانع قرارت مصيرية بالنسبة لكثيرين، فهو يجيب عن الأسئلة خلال ثوانٍ، يشخص الامراض، ويكتب التقارير، ويقترح حلولاً لمشكلات كانت تتطلب ساعات طويلة من التفكير والبحث. آلة اختصرت الوقت. ولكن وسط هذا الإنجاز التكنولوجي الكبير أتساءل، ماذا سيحدث لعقولنا عندما تتوقف عن التفكير بنفسها؟ الذكاء البشري ليس مجرد القدرة على الحصول على الإجابات، بل هو عملية البحث والتساؤل والتجربة والخطأ والتأمل والتعلم من الخبرة. وعلى مدى التاريخ، كان اكتساب المعرفة مرتبطاً بالوقت وبالجهد. وكانت رحلة البحث نفسها جزءاً أساسياً من النمو الفكري. أما اليوم، فأصبح كثير من الناس معتادين على تلقي إجابات جاهزة دون خوض الرحلة الذهنية التي تنتج الفهم الحقيقي.

ومما يثير القلق أننا نسمع اليوم أشخاصاً، صغاراً وكباراً، يتباهون بأن الذكاء الاصطناعي أصبح أقرب أصدقائهم وأكثر مصادرهم موثوقية، ليس فقط في المعلومات الطبية أو العلمية، بل حتى في القضايا الشخصية والخاصة جداً. وربما يمكن تفهم مثل هذا الكلام عندما يصدر عن مراهق لا يزال في مرحلة بناء شخصيته ورؤيته للحياة، رغم خطورته، لكن أن يصدر عن شخص بالغ وناضج فذلك يستدعي التوقف والتأمل. فعندما يصل الإنسان إلى مرحلة يفترض أن تكون فيها خبراته الحياتية وعلاقاته الإنسانية وحكمته الشخصية هي البوصلة الأساسية التي توجهه، ثم يضع ثقته المطلقة في آلة، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية حول الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع، وكأن النضج وحده لم يعد ضمانة للحكمة والتمييز.

الاعتماد المتزايد يجب أن يدق ناقوس الخطر، ويذكرنا بالحاجة الملحة لنشر الوعي حول الدور الحقيقي الذي ينبغي أن يؤديه الذكاء الاصطناعي في حياتنا. فهو أداة نافعة من دون شك، لكنه لا يجب أن يحل محل الحكمة الإنسانية، أو العلاقات الحقيقية، أو التفكير النقدي، أو المسؤولية الشخصية في اتخاذ القرارات المصيرية.

وقد حذر العلماء منذ زمن من أن الدماغ يعمل بطريقة تشبه العضلة؛ فما لا يُستخدم يضعف تدريجياً. وعندما يعتمد الأفراد بصورة مفرطة على أنظمة خارجية للتذكر والتحليل وحل المشكلات، تبدأ مهارات التفكير النقدي بالتراجع. وقد تتأثر القدرة على الإبداع، وتضعف روح الفضول، ويتراجع الحكم المستقل على الأمور.

لذا، هل ينبغي أن نستمر في تنمية ذكائنا وتخزين المعرفة داخل عقولنا، أم أن نُوكل هذه المهمة إلى الآلات ونكتفي بالرجوع إليها عند الحاجة؟ المعرفة التي لا تستقر داخل الإنسان تبقى معرفة هشة، والمجتمع الذي يفقد قدرته على التفكير بنفسه قد يفقد مع الوقت قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الحكمة والسهولة، وبين المعنى والمعلومة المجردة.

وربما يكمن القلق الأكبر في الجيل الذي قد ينشأ وهو لا يعرف سوى التكنولوجيا مرجعاً أساسياً له. ماذا سيحدث عندما تُستبدل الخبرة الإنسانية بالخوارزميات؟ من سيعلم الأجيال التعاطف والرحمة والتضحية والتسامح؟ وهل تستطيع الآلة أن تفهم الحزن أو الأمل أو الإيمان أو الحب أو المسؤولية الأخلاقية؟.

قد يوفر الذكاء الاصطناعي التوجيهات، لكنه لا يمنح الغاية. وقد يعالج المعلومات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الضمير. وقد يقترح طريقاً، لكنه لا يستطيع أن يحدد ما إذا كان هذا الطريق صائباً أخلاقياً أم لا. فالإنسانية اعتمدت دائماً على ما هو أعمق من المعرفة وحدها؛ اعتمدت على الحكمة، والحكمة تولد من التجربة الحياتية والعلاقات الإنسانية والثقافة والإيمان والاعراف.

الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً، بل في أن يصبح البشر أقل ممارسة لذكائهم وأكثر انفصالاً عن مشاعرهم وإنسانيتهم. فالمستقبل الذي تحكمه الكفاءة والأتمتة وحدهما قد يتحول إلى عالم أكثر برودة، عالم تستبدل فيه الراحة بالمسؤولية، والمعلومات بالفهم، والسرعة بالحكمة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى المستقبل بنظرة تشاؤمية.

فالتكنولوجيا ستبقى أداة، والأدوات تعكس قيم مستخدميها. وإذا استمر الآباء والأمهات في تربية أبنائهم على الرحمة والمسؤولية واحترام الآخر، وإذا أولت المدارس والجامعات القدر نفسه من الاهتمام للعلاقات الإنسانية والأخلاق والتفكير النقدي كما توليه للتكنولوجيا، وإذا أعاد المجتمع اكتشاف المعنى الحقيقي للحرية، ليس باعتبارها غياباً للقيود، بل باعتبارها الاستخدام المسؤول للاختيار، فإن الإنسانية قادرة على الازدهار جنباً إلى جنب مع الابتكار.

ويبقى الأهم من ذلك كله ألا نفقد بوصلتنا الروحية. فعلى مر الأجيال، كان الإيمان هو المرشد عندما تعثرت الأحكام البشرية، وكانت طاعة الله واحترام كرامة الإنسان والالتزام بالحقيقة هي الضمانات الأقوى في مواجهة أي مستقبل قد تطغى فيه التكنولوجيا على الإنسان.

قد يسهم الذكاء الاصطناعي في تشكيل المستقبل، لكن الحكمة الإنسانية وحدها هي القادرة على ضمان أن يبقى ذلك المستقبل جديراً بأن يُعاش.

حمى الله الوطن.

* صحافية وكاتبة مختصة في شؤون الحوارات والسلم المجتمعي


مواضيع قد تهمك