اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

غيرة الزوجة وأثرها في الأحكام القضائية

غيرة الزوجة وأثرها في الأحكام القضائية
أخبارنا :  

المحامية أسحار أحمد ياسين القرالة


لا يغار الإنسان إلا على شيء يحبه، فالغَيْرَة دليل الحب والوجد، وهي أمر طبيعي في الحياة الزوجية، إذ يغار كل من الزوجين على زوجه، وهو أحد أسباب تقوية الروابط بين الزوجين، فقد غارت السيدة عائشة على النبي عليه الصلاة والسلام من إحدى زواجته، فقد روى البخاري عن ‌أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: ‌"غارت ‌أمّكم".

 

فهذا الحديث يدل على أن الغَيْرَة كانت من الزوجتين، من الزوجة الأولى بإهدائها للنبي في بيت ضرتها، ومن عائشة التي عبّرت عن غيرتها بكسر القصعة، وقد تفهّم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الغَيْرَة وتعامل معها بحكمة وحصافة.

فغَيْرَة الزوجة حالة نفسية وجدانية لا تقدر الزوجة على دفعها كلياً، ولكن الغَيْرَة قد تصبح حالة مرَضية إن زادت عن حدها وتجازوت وظيفتها، عندها تصبح عبئاً نفسياً ثقيلاً ينقلب بسببها الحب إلى كره والوجد إلى جفاء ونفور.

وقد كان لاعتبار غَيْرَة الزوجة على زوجها أثر في تكييف العديد من الوقائع القانونية عند القضاة في قضائنا المدني والشرعي، وهذا يدل على أن الكثير من قضاتنا يتسمون بالحصافة والذكاء الاجتماعي وحسن تكييف الوقائع وتنزيل النصوص عليها، ولا يكتفون بتطبيق القواعد القانونية تطبيقاً آلياً، ومن هذه القضايا أن رجلاً أحب امرأة ولكنه لم يتمكن من الزواج منها، فتزوج بغَيرها وأنجب منها بنتاً فسماها على اسم محبوبته السابقة، فعلمت زوجته أمّ الطفلة بهذا الأمر بعد الولاة وتسمية الطفلة، مما أثار غيرتها وأوقع الخلافات بينها وبين زوجها نتيجة لهذه الغَيْرَة، فقضت المحكمة بحق الوالدين في تغيير الاسم وسببت قرارها بأن مناداة المولودة بهذا الاسم يثير مشاعر الأم ويتسبب في إثارة المشاكل العائلية وقد يؤول إلى الطلاق وإن الحفاظ على سلامة وقوة الرابطة الأسرية من أهم القيم الاجتماعية في مجتمعنا.

ولم تغفل المحكمة عن حق الطفلة في هذه الواقعة حيث أكملت المحكمة تسبيبها للحكم بقولها: إن "حقوق الطفل تقتضي بأن يعامل الطفل بشكل يليق مع طفولته، وإن الأمّ هي الأساس في منح الطفل هذه الرعاية كونها أقرب أفراد العائلة إليه، وإن كراهية الأم لاسم طفلتها مما سبب كراهيتها للمولودة وعدم حبها لهذه الطفلة وكراهيتها من أخوتها نتيجة لتأثير الأم عليهم مما يمس حقوق الطفل في الرعاية".

فهذا تسبيب يراعي الجوانب النفسية ويستبصر العلاقات الاجتماعية ويجعل من القانون أداة دفاع وحماية اجتماعية، ويدل على الذكاء المهني الذي يتصف به هذا القضاء.

ومن القضايا التي راعت فيها المحاكم غَيْرَة الزوجة ما قضت به إحدى المحاكم من أن مغازلة الزوج لزوجته الثانية بحضور الزوجة الأولى ضرر معنوي وإيذاء نفسي يسوغ لها الخروج من بيت الزوجية دون إذن من زوجها، ولا تعتبر بهذا الخروج ناشزاً؛ لأن الناشز حسب نص المادة (62) من قانون الأحوال الشخصية هي التي تترك بيت الزوجية بلا مسـوغ شرعي.

وهذه الزوجة تركت بيت الزوجية بمسوغ شرعي معتبر وهو الإيذاء والضرر المعنوي الناتج عن الغَيْرَة التي تسبب الزواج في إثارتها وتحفيزها.

وما قضت الكثير من المحاكم الشرعية من أن مجاورة سكن الضرة لضرتها يجعل المسكن غير شرعي لما تثيره مشاهدة الضرة لضرتها من ضرر نفسي وغَيْرَة عند الزوجة خلافا لما تقضي به المادة (72) من قانون الأحوال الشخصية التي أوجبت على الزوج تهيئة المسكن الشرعي.

هذه القضايا وغيرها تُوجبُ على الزوج مراعاة مشاعر زوجته واحترام عواطفها والامتناع عن كل ما يؤذيها ويؤجج غيرتها المشروعة، ويدل على مهنية قضائنا وإدراكه للأبعاد النفسية والاجتماعية للسلوكيات وتبصّره بعواقب الأفعال والتصرفات المعروضة عليه. 

ــ الغد

مواضيع قد تهمك