فراس النعسان : التصعيد الأعمى
وفق قراءات تحليلية متزايدة في دوائر التفكير الاستراتيجي الغربية، تبدو الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران صراعًا بدأ يخرج تدريجيًا عن سيطرة الأطراف التي أطلقته. هذا التقييم لم يعد حكرًا على خصوم واشنطن، بل بات يُطرح داخل أبرز المنابر الفكرية الأميركية نفسها.
في مقال تحليلي نشرته مجلة فورين بوليسي، يرى الخبيران روبرت بيب، مدير مشروع شيكاغو للأمن والتهديدات، وعلي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن أحد أخطر أخطاء التقدير التي رافقت الحرب يتمثل في الاعتقاد بإمكانية «ضبط التصعيد». ويؤكد الكاتبان أن هذا الافتراض تكرر تاريخيًا لدى قادة اعتقدوا أن بإمكانهم استخدام القوة العسكرية بصورة محدودة لتحقيق أهداف سياسية دون الانزلاق إلى حرب واسعة.
غير أن التجربة الحالية، بحسب تحليلهما، تكشف العكس تمامًا. فالتصعيد العسكري لا يتحرك وفق نوايا صانعي القرار، بل وفق منطق تفاعلي مستقل تحكمه الردود المتبادلة وضغوط الردع والهيبة السياسية. ومع كل ضربة جديدة، تتقلص مساحة الخيارات الدبلوماسية، بينما تتزايد كلفة التراجع بالنسبة لجميع الأطراف.
ويشير المقال إلى أن الاستراتيجية القائمة على «الضربات المحدودة» تفترض ضمنيًا أن الطرف المقابل سيتصرف بعقلانية مشابهة، أو سيقبل بحدود معينة من الرد. إلا أن إيران، وفق القراءة ذاتها، اختارت توسيع نطاق الرد عبر استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ما حوّل الصراع من عملية ردع تكتيكية إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات.
هذا التحول يعكس، في جوهره، معضلة كلاسيكية في العلاقات الدولية، حين تبدأ الحرب بهدف إعادة ضبط ميزان الردع، لكنها تنتهي بإعادة تشكيل بيئة الصراع بالكامل. فكل طرف يجد نفسه مضطرًا للتصعيد ليس بدافع الرغبة بالحرب الشاملة، بل خوفًا من أن يبدو ضعيفًا أمام خصومه أو حلفائه.
ويرى بيب وواعظ أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو الاعتقاد المستمر بإمكانية احتواء الأزمة لاحقًا، رغم المؤشرات المتزايدة على أن ديناميكيات الصراع باتت ذاتية الدفع. فمع اتساع دائرة الاستهداف لتشمل بنى عسكرية ومصالح استراتيجية في المنطقة، يصبح أي حادث غير محسوب، أو خطأ في التقدير، كفيلًا بإشعال مواجهة أكبر مما خطط له الجميع.
وفي هذا السياق، تبدو منطقة الخليج إحدى أكثر الساحات حساسية، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية العالمية؛ ما يجعل أي تصعيد إضافي ذا تداعيات تتجاوز حدود الصراع المباشر إلى أسواق الطاقة والاستقرار الدولي.
الخلاصة التي يطرحها التحليل ليست أن الحرب الشاملة حتمية، بل أن السيطرة عليها لم تعد مضمونة. فالتاريخ، كما يشير الكاتبان، يُظهر أن الحروب نادرًا ما تسير وفق السيناريوهات التي يرسمها مخططوها في بدايتها. وعندما يبدأ القادة الاعتقاد بأنهم قادرون على إدارة التصعيد بدقة، تكون تلك غالبًا اللحظة التي يبدأ فيها الصراع بالتحرر من إرادتهم.
وفي ظل تسارع الأحداث، يبدو السؤال الأهم اليوم ليس من بدأ الحرب، بل ما إذا كان أي طرف ما زال قادرًا على إنهائها بالشروط التي تصورها عند انطلاقها.