د. عبد الله سرور الزعبي : المشرق العربي.. وثنائية الصراع
لم يكن المشرق العربي يومًا مجرد جغرافيا عابرة، بل كان، كما وصفه ابن خلدون، «موضع العمران ومسرح العصبيات الكبرى»، حيث تتكثف الصراعات كلما ضعفت البنية الداخلية واشتدت الأطماع الخارجية، فتتكسر الدول وتُهزم من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج. واليوم، يقف هذا المشرق عند تخوم لحظة تاريخية كثيفة، محاصرًا بين مشروعين عابرين للحدود يتجاوزان الدولة الوطنية: مشروع يستند إلى قراءة توراتية للسياسة كما تتجسد في فكر نتنياهو، وآخر يرتكز على أيديولوجيا تمددية تعيد إنتاج الخيال الإمبراطوري الفارسي بلباس ديني معاصر.
غير أن الأزمة، في جوهرها، ليست صراع مشاريع بقدر ما هي انكشاف فراغ.
فالفراغ، كما يقول مارتن هايدغر «ليس عدمًا، بل قابلية للامتلاء». وهنا
تكمن المعضلة العربية، غياب الفكرة القادرة على أن تتحول إلى قوة، وغياب
الوعي الجمعي الذي يحوّل الجغرافيا إلى إرادة. في هذا السياق، تبدو مقولة
هيغل أكثر قسوة من أي وقت مضى «التاريخ لا يتحرك بالفوضى، بل بالأفكار التي
تجد من يحملها». لكن على ما يبدوء الفكرة غائبة، أو عاجزة عن التحول إلى
قوة حتى هذا اليوم.
لفهم عمق الاشتباك، لا بد من تفكيك البنية العميقة للعقيدة الإيرانية.
فإيران لا تتحرك في الزمن السياسي فقط، بل في زمن تاريخي ممتد، حيث تتداخل
سردية الإمبراطورية مع سردية المظلومية. منذ كورش الكبير، تشكلت رؤية ترى
في المركزية الحضارية حقًا، ثم أعاد روح الله الخميني صياغتها في قالب ديني
سياسي، حوّل «المظلومية» إلى طاقة تعبئة، و»ولاية الفقيه» إلى فكرة عابرة
للحدود. ومع علي شريعتي، لم يعد التشيع مذهبًا، بل أيديولوجيا حركة
ومشروعًا مفتوحًا يسعى لإعادة تشكيل الوجود ذاته. وكأنه يقول بأنها مخولة
بإعادة تشكيل الإقليم. وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه، حيث تتحول الجغرافيا
العربية إلى فضاء مفتوح لتصفية حسابات حضارية قديمة.
ضمن هذا الإطار، لا تتحرك إيران في الجغرافيا العربية كقوة نفوذ فقط، بل
كقوة معنى؛ فهي لا تملأ الفراغ، بل تعيد تعريفه. ومن هنا، تتجاوز سياساتها
مفهوم النفوذ التقليدي، لتتحول إلى استراتيجية بناء منظومات تأثير عبر
فاعلين محليين، من العراق إلى سورية ولبنان واليمن، بحيث تصبح الجغرافيا
العربية امتدادًا وظيفيًا لعقيدة توسعية. وهكذا، اصبح قوس المشرق العربي،
ولأكثر من عقد جزءا من هلال نفوذ يمتد من طهران إلى المتوسط.
في المقابل، تتجسد العقيدة الإسرائيلية في تركيب مختلف، لكنه لا يقل جذرية.
فالنص التوراتي لم يعد مرجعية دينية، بل إطارا أنطولوجيًا للسياسة يمنح
الأرض معنى «الوعد» ويمنح القوة شرعية التحقيق. هنا تلتقي هذه الرؤية مع
مكيافيلي، حيث تصبح الغاية، بقاء الدولة، مبررًا للوسيلة. وفي فكر
جابوتنسكي، يتحول «الجدار الحديدي» إلى عقيدة وجود، فرض الواقع بالقوة حتى
يذعن الخصم.
لذلك، لا يُنظر إلى الصراع مع المحيط العربي كخلاف سياسي قابل للحل، بل
كصراع وجودي تُدار فيه الحروب من غزة إلى لبنان وسورية لإعادة تشكيل البيئة
الأمنية وفق منطق القوة لا التسوية (استراتيجية إدارة الصراع لا إنهاؤه).
ورغم التناقض الظاهري، يلتقي المشروعان في نقطة أكثر خطورة، كلاهما لا يرى
في المشرق العربي دولًا، بل مادة جيوسياسية. فإسرائيل ترى التفكك شرطًا
للأمن، وإيران تراه فرصة للتمدد. وبين هذين الحدّين، يتحول المشرق إلى
«فراغ فاعل» يُنتج الصراع بدل أن يحتويه.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يبدو القلق العربي انحيازًا بقدر ما هو
إدراك مأزوم لطبيعة الصراع؛ فالمعادلة لم تعد بين خير وشر، بل بين مشروعين
يتنازعان المجال ذاته ويختلفان في الأدوات لا في الغايات. إيران تتسلل عبر
شقوق الدول لتعيد تشكيلها من الداخل عبر شبكات نفوذ تُضعف الدولة لصالح
الولاء، وإسرائيل تتحرك بمنطق الحسم لفرض واقع إقليمي بقوة التفوق. وبين
هذا وذاك، يُدفع العربي إلى مفارقة قاسية، أن يتمنى إضعاف أحدهما دون أن
يمتلك القدرة على منع تمدد الآخر. هنا لا تعود المشكلة في قوة المشاريع، بل
في هشاشة المساحة التي تتحرك فيها. فالصراع، في جوهره، ليس صراع عقائد
بقدر ما هو صراع إرادات، تستخدم فيه الأيديولوجيا كغطاء، بينما تُدار
الحقيقة بمنطق آخر. وفي غياب مركز عربي قادر على إنتاج موقف مستقل، يتحول
العرب من فاعلين إلى مجال تتقاطع فوقه المشاريع.
يمكن قراءة هذا الواقع عبر عدستين فلسفيتين، الأولى عند نيتشه، حيث «إرادة
القوة، قانون وجود»، والثانية عند توماس هوبز، حيث يغيب النظام فتسود «حرب
الجميع ضد الجميع». لكن القراءة الأعمق تبقى عند مالك بن نبي، الذي رأى أن
الأزمة ليست في الاستعمار، بل في القابلية له. وهنا تكمن المعضلة العربية،
ليس فقط في قوة الآخرين، بل في عجز الداخل عن إنتاج قوة مضادة، وهو ما
ينسجم مع مقولة توينبي بأن «التحدي لا يقتل الحضارات، بل العجز عن
الاستجابة».
هنا تصبح المعضلة، ليست في العقائد بحد ذاتها، بل في توظيفها السياسي؛ فحين
تتحول النصوص إلى أدوات صراع، يصبح التاريخ سجنًا لا درسًا.
وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، يتكشف تناقض صارخ، قوس المشرق العربي كخط
اشتباك حضاري، وقوس الخليج كمركز طاقة وسيولة. كلاهما يشكل قلب الإقليم وفق
منطق ماكندر، لكنهما يعملان منفصلين، في حين تتحرك المشاريع المنافسة
كوحدات متماسكة.
من هنا، لا يعود مفهوم «كرة الاستقرار العربي» ترفًا فكريًا، بل ضرورة
وجودية (اشرنا اليه في مقال سابق)، على غرار تكتل دول الاتحاد الأوروبي.
فالعالم حسب هنتنغتون، لا يُدار بدول منفردة، بل بكتل حضارية. ومن لا يشكّل
كتلة، يتحول إلى مجال.
غير أن المشهد لم يعد نظريًا. فما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من
جهة، وإيران من جهة أخرى، ودخولها طور المواجهة العسكرية المباشرة، ولو ضمن
حدود محسوبة، لكنها لم تبلغ ذروتها بعد. حرب لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل
بالاقتصاد والتكنولوجيا والشبكات. وهنا تتقاطع ثلاث فلسفات للحرب، عقيدة
أميركية ترى الحرب امتدادًا للسياسة بأدوات هجينة، وعقيدة إسرائيلية تقوم
على الضربات الوقائية، وإعادة تشكيل التهديد قبل اكتماله (الحسم)، وعقيدة
إيرانية تعتمد النفس الطويل والاستنزاف متعدد المستويات.
وهنا لا يكمن الخطر في الحرب بحد ذاتها، بل في تعريف النصر. فحين يصبح
الصمود انتصارًا، والحسم ضرورة، والاحتواء هدفًا، يدخل الإقليم في حالة
«تعليق دائم»، لا حرب تُحسم ولا سلام يُبنى، ويتحول الشرق الأوسط إلى مختبر
لصراع يُدار على الحافة.
في ضوء ذلك، لا تنتهي الحروب عند الميدان، بل تبدأ بعدها. فإذا خرجت إيران
دون انكسار، ستنتقل من مرحلة التمدد إلى تثبيت النفوذ، لتصبح قطبًا
إقليميًا دائمًا. وإذا خرجت إسرائيل منتصرة، بالدعم الاميركي، ستُعاد صياغة
الإقليم قسرياً، وفق تفوقها. في هذه اللحظات، لا تنتهي الحروب عند خطوط
النار، ولا تُقاس النتائج بما يُدمر فقط، بل بما يُعاد تشكيله من خرائط
النفوذ. وعندها لا نعلم من سيدير الفوضى، او من سيدير النظام في دوله. وفي
الحالتين، يعاد تعريف السياسة بالقوة، كما قال كارل فون كلاوزفيتز.
فالمشرق العربي اليوم ليس محاصرًا فقط بين إيران وإسرائيل، بل بين رؤيتين
للعالم، رؤية تجعل الدين أداة توسع، ورؤية تجعل القوة وسيلة بقاء.
فالعقيدتان، لا تبدوان في طور التراجع، بل في ذروة التمدد.
وهنا يكمن السؤال الجوهري، هل يستطيع العرب الانتقال من موقع «ساحة صراع» إلى «فاعل استراتيجي»؟
في قلب هذا الإعصار، يقف الأردن كدولة تماس مباشر مع بؤر التوتر. وقد أدركت
القيادة الأردنية، بقيادة الملك عبدالله الثاني، مبكرًا مخاطر الهلال
الإيراني وانهيار الدول، والاخطار العابرة للحدود (ما زالت قائمة)، وطبيعة
التحولات ومخاطرها، فاختارت التوازن بدل الانخراط، والاستقرار بدل
المغامرة، مع التمسك بحل عادل للقضية الفلسطينية كخيار استراتيجي.
غير أن التحدي الحقيقي يبقى داخليًا، اقتصادا هشا، وبطالة، وتآكلا في الثقة
بالمؤسسات، وجدل في تعريف الهوية الوطنية. كلها عناصر تؤثر على التماسك
المجتمعي. فالدولة التي لا تُحصّن من الداخل، يطمع بها المتربص في الخارج،
وهو ما يعيدنا إلى توينبي «مصير الأمم يتحدد بقدرتها على الاستجابة
للتحديات».
في النهاية، لا يبدو المشرق محاصرًا فقط بين إيران وإسرائيل، بل بين
نموذجين للقوة. وهنا يحسم هيغل «التاريخ يتقدم عبر التناقض». فإما أن يبقى
المشرق داخل قوسي الهيمنة، أو أن يصنع قوسه الثالث، قوسًا يتحول إلى كرة،
وكرته إلى مركز ثقل.
وفي اللحظات الفاصلة، لا تنهار الأمم حين تُهزم، بل حين تفشل في تعريف
موقعها. والمشرق العربي، اليوم أمام هذا الاختبار، إما أن يعيد إنتاج ذاته
كفاعل، أو يُعاد إنتاجه كموضوع.
فالحياد لم يعد خيارًا، والتوازن لا يُمنح بل يُنتزع. لأن الصراع لا يبحث
فقط عن منتصر، بل عن فراغ يملؤه. وكما يقول نيتشه «الفراغ لا يبقى فراغًا،
بل تملؤه القوة الأكثر استعدادًا».
إذا لم تتشكل كتلة جيوسياسية عربية، فلن يكون البديل فوضى، بل نظام مفروض.
إما من الشرق، بعقيدة تتقدم على الدولة، أو من الغرب، بقوة تجعل من الأمن
مبررًا دائمًا لإعادة تشكيل الجغرافيا. وفي الحالتين، لن يكون العرب شركاء،
بل ساحات.
وهنا تكمن المأساة، أخطر ما قد يواجهه المشرق العربي ليس الهزيمة، بل
التكيّف معها، وتحويلها إلى نمط حياة. عندها يفقد التاريخ معناه، وتفقد
الجغرافيا قدرتها على المقاومة.
التاريخ لا ينتظر المترددين، بل يُقصيهم، ومن لا يصنع موقعه في لحظة التحول، سيُكتب عليه أن يُدار من خارجها.
والسؤال الذي سيحكم هذا القرن ليس، من سينتصر؟ بل، من سيبقى فاعلًا، ومن
يملك القدرة على التحول من جغرافيا ممزقة إلى جيوسياسة فاعلة؟
*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية
ــ الغد