الأخبار

السفير الدكتور موفق العجلوني : الضمان الاجتماعي وصندوق الأسرار الاقتصادية

السفير الدكتور موفق العجلوني : الضمان الاجتماعي وصندوق الأسرار الاقتصادية
أخبارنا :  

عندما يُفتح ملف الضمان الاجتماعي، لا يُفتح كملف عادي… بل كأننا فتحنا "صندوق الأسرار الاقتصادية” دفعة واحدة. فجأة يصبح كل مواطن خبيرًا اكتواريًا، وكل جلسة قهوة ندوة سياسات عامة، وكل مجموعة واتساب لجنة طوارئ وطنية.

وبين من يرى في التعديلات كارثة وشيكة، ومن يراها ضرورة مؤجلة منذ سنوات، تضيع أحيانًا حقيقة أبسط: الضمان ليس خصمًا للمواطن، ولا هو بطل خارق. هو مؤسسة، مثل أي مؤسسة، تتأثر بالأرقام والديموغرافيا والقرارات السياسية معًا.

نعم، القلق مفهوم. حين يسمع المواطن عن رفع سن التقاعد أو زيادة عدد الاشتراكات، أول ما يخطر فيليس "نقطة التعادل 2042”، بهل سأستطيع الاستمرار؟ هل سيتغير مستقبلي فجأة؟.

هذا سؤال مشروع، بل صحي. لأن الضمان ليس بندًا ماليًا؛ هو سنوات تعب وعرق وأمان عائلي. لكن في المقابل، تحويل كل تعديل إلى "إنذار أحمر” دائم قد لا يخدم النقاش بقدر ما يزيد التوتر.

أشرت في مقالي المنشور في وكالة عمون الإخبارية، إلى فكرة بسيطة لكنها مهمة: الضمان ليس على حافة الانهيار، ولا نحن أمام مشهد درامي أخير. هناك تحديات نعم، لكن هناك أيضًا مؤشرات استقرار وإمكانية إصلاح متدرج.

لغة "بشائر الخير” التي استخدمها لم تكن إنكارًا للواقع، بل دعوة لقراءته بميزان أهدأ. فالإصلاح ليس مرادفًا للإفلاس، كما أن التعديل لا يعني المصادرة.

الإصلاح… كلمة تحتاج إعادة تعريف ، في الشارع الأردني، كلمة "إصلاح” فقدت شيئًا من بريقها. كثيرون يترجمونها فورًا إلى: "تحمّل إضافي”.

وهنا المشكلة ليست فقط في القرارات، بل في الذاكرة الجماعية. الناس تعبت من سماع أن كل خطوة ضرورية، ثم تكتشف أن الضرورة غالبًا ما تمر من جيوبها أولًا.

لكن في المقابل، تجاهل الأرقام أيضًا ليس حلًا. متوسط الأعمار يرتفع، وسوق العمل يتغير، ونسب التقاعد المبكر كانت بالفعل تضغط على التوازنات. أي نظام تقاعد في العالم، إن لم يُراجع دوريًا، يتحول إلى عبء على الجيل القادم.

قليل من الكوميديا… وكثير من العقل
ربما نحتاج أن نتعامل مع الملف بعقل بارد وروح أخف. لسنا أول دولة تواجه معادلة "اشتراكات أقل – متقاعدين أكثر”. ولسنا آخر مجتمع يختلف حول معنى العدالة بين الأجيال.

المفارقة أننا كاردنيين بارعون في إطلاق النكات حتى في أصعب الظروف. فمرة يُقال إن "الضمان يريد أن يطمئننا بأننا سنعيش طويلًا… لذلك يؤخر تقاعدنا!”، ومرة أخرى يُقال إن "المشكلة ليست في سن التقاعد بل في سن الراتب”.

هذه السخرية ليست استخفافًا، بل آلية دفاع اجتماعية. لكنها أيضًا تذكير بأن الناس تريد تفسيرًا بسيطًا، صريحًا، ومبكرًا.

الرسالة الدبلوماسية الأهم اليوم( بصفتي ادعي انني سفير الضمان - شرفياً ") ليست أن "كل شيء ممتاز”، ولا أن "الأزمة وشيكة”. بل أن هناك ملفًا يحتاج إلى:

مصارحة مبكرة قبل القرار لا بعده .
شرح مبسط اكتوارياً وإنسانيًا معًا.

إذا شعر المواطن أن الإصلاح يطال الجميع بعدالة، وأن الإدارة المالية رشيدة وشفافة، فإن القبول المجتمعي يصبح ممكنًا. أما إذا بقيت المعادلة في ذهنه "ادفع الآن وافهم لاحقًا”، فسيبقى التوجس حاضرًا.

وكما اشرت في مقالي السابق ، الضمان الاجتماعي في الأردن ليس كارثة، كما أنه ليس ملفًا مثاليًا مكتملًا. هو مؤسسة تحتاج صيانة دورية، وحوارًا أوسع، وثقة متبادلة.

وبين خطاب القلق وخطاب الطمأنة، ربما نحتاج مساحة وسطى تقول:
نعم هناك تحديات.
نعم هناك ضرورة إصلاح.
لكن الإصلاح الحقيقي هو الذي يحمي الأرقام… ويحمي الناس في الوقت نفسه.

وفي الختام … و ان شاء الله " ختامها مسك "، لا أحد يريد أن يصفق لأعباء جديدة، لكن الجميع يريد أن يطمئن أن مستقبله ليس معلقًا بين إشاعة وتطمين. وهنا فقط يصبح الإصلاح شراكة… لا مفاجأة .

أعان الله كل من عمر ملحس ، و عز الدين كناكرية ، و جاد الله الخلايلةً … مع حفظ الالقاب ، على كل هذا الهرج حول مستقبل الضمان وأمانة المسوءوليةً أمام الله وأمام الناس وخاصة في شهر رمضان الفضيل …!!!

* السفير الدكتور موفق العجلوني
مدير عام مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
muwaffaq@ajlouni.me

مواضيع قد تهمك