د. عدلي قندح : مؤشر الهوية الاقتصادية للأردن
مقدمة علمية: ماذا نعني بهوية الاقتصاد؟
هوية الاقتصاد هي البنية العميقة التي تحدد كيف يُنتج الدخل، ومن أين يتولد، وكيف يتوزع، وما مدى استدامته وقدرته على الصمود أمام الصدمات. هوية الاقتصاد تُقاس بدرجة تعقيده، وتنوعه، وتشابك قطاعاته، ومستوى إنتاجيته، وحجم القيمة المضافة التي يخلقها داخلياً، لا بمجرد حجم التدفقات المالية أو الاستهلاك.
بمعنى أكثر تركيباً، هوية الاقتصاد هي نتيجة تفاعل خمسة أبعاد مترابطة: الهيكل القطاعي، درجة التنويع، التعقيد التكنولوجي، عمق الروابط الإنتاجية، وديناميكية الإنتاجية الكلية. وعندما تتسق هذه الأبعاد، تتشكل شخصية اقتصادية واضحة، وعندما تتباعد، يظهر اقتصاد بملامح انتقالية غير مكتملة.
في هذا الإطار، نسعى إلى بناء قراءة تحليلية عميقة لهوية الاقتصاد الأردني، بالاستناد إلى أدوات قياس متقدمة تشمل مصفوفة المدخلات والمخرجات، معامل التنويع، مؤشر التعقيد الاقتصادي، القيمة المضافة المحلية، والإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج.
أولاً: البنية القطاعية – اقتصاد خدمي بقاعدة صناعية متوسطة
تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن قطاع الخدمات يشكل نحو 60–61% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تمثل الصناعة (بما فيها التعدين والصناعات التحويلية) قرابة 25%، والزراعة حوالي 5% فقط.
هذا التوزيع يعكس اقتصاداً خدميّ الغلبة. غير أن التحليل البنيوي لا يكتفي بنسبة المساهمة، بل يسأل: هل الخدمات تقود إنتاجية مرتفعة وقيمة مضافة عالية، أم أنها خدمات تجارية واستهلاكية منخفضة الكثافة المعرفية؟
عند تفكيك القطاع الخدمي، يتضح أن جزءاً مهماً منه يتمثل في التجارة، النقل، الاتصالات، والخدمات الحكومية، بينما تبقى مساهمة الخدمات المعرفية عالية التقنية محدودة نسبياً. في المقابل، توجد صناعات تحويلية ذات حضور إقليمي مهم مثل الصناعات الدوائية والكيماوية.
إذن نحن أمام اقتصاد خدمي في هيكله، لكنه يحتفظ بقاعدة صناعية متوسطة الحجم ذات إمكانات كامنة.
ثانياً: مصفوفة المدخلات والمخرجات – عمق الروابط الإنتاجية
تعكس جداول المدخلات والمخرجات الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة درجة تشابك القطاعات. وتُظهر البيانات أن:
• معامل الروابط الخلفية للصناعة التحويلية = 1.25
• معامل الروابط الخلفية للخدمات = 0.85
• معامل الروابط الخلفية للزراعة = 0.70
(المتوسط المرجعي = 1)
هذا يعني أن التوسع في الصناعة يولّد طلباً أكبر على مدخلات من بقية القطاعات مقارنة بالخدمات والزراعة، ما يجعلها القطاع الأكثر قدرة على إحداث أثر مضاعف داخل الاقتصاد.
غير أن نسبة المدخلات المستوردة في الصناعات التحويلية تتراوح بين 35–45% من إجمالي المدخلات، وهو ما يشير إلى اعتماد ملحوظ على الخارج في سلاسل الإنتاج. وبالتالي فإن عمق التشابك المحلي موجود لكنه غير مكتمل.
الاستنتاج البنيوي هنا أن الأردن يمتلك نواة صناعية ذات روابط محفزة، لكنها لم تصل بعد إلى درجة التكامل المحلي العميق.
ثالثاً: معامل التنويع الاقتصادي – اقتصاد متوسط التركّز
وفق بيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يتراوح مؤشر هيرفيندال–هيرشمان لتركيز الصادرات الأردنية بين 0.18 و0.22.
للمقارنة، الاقتصادات الريعية النفطية قد تتجاوز( 0.40)، بينما الاقتصادات الصناعية المتقدمة تقل عن (0.10).
تتوزع الصادرات الأردنية بين الأسمدة، الفوسفات، البوتاس، الأدوية، الملابس، والمنتجات الكيماوية، دون هيمنة سلعة واحدة بأكثر من 30% من إجمالي الصادرات.
هذا يعني أن الاقتصاد الأردني ليس أحادي المورد، لكنه أيضاً لم يبلغ درجة التنويع الصناعي المتقدم. إنه اقتصاد متوسط التنويع، تقل فيه مخاطر الريع الكلاسيكي، دون أن يصل إلى بنية تصديرية عالية الكثافة التكنولوجية.
رابعاً: مؤشر التعقيد الاقتصادي – موقع متوسط في سلم المعرفة
وفق بيانات Harvard Growth Lab، يتراوح مؤشر التعقيد الاقتصادي للأردن بين 0.10 و0.20، ويقع ترتيبه عالمياً بين 55 و65 تقريباً.
للمقارنة، تبلغ قيمة المؤشر في ألمانيا وكوريا الجنوبية نحو 1.8–1.9، بينما تكون سالبة في الاقتصادات الريعية البسيطة.
هذا الموقع الوسطي يعكس قدرة الأردن على إنتاج وتصدير سلع متوسطة التعقيد، خصوصاً في الصناعات الدوائية والكيماوية، لكنه لا يشير إلى اقتصاد عالي التكنولوجيا أو كثيف الابتكار.
هوية الاقتصاد هنا أقرب إلى "تعقيد متوسط منخفض" – أي قاعدة صناعية معرفية جزئية، دون منظومة ابتكار مكتملة.
خامساً: القيمة المضافة المحلية – استقلال نسبي مع اعتماد خارجي.
وفق تقديرات منظمة التجارة العالمية وتقارير سلاسل القيمة العالمية، تبلغ نسبة القيمة المضافة المحلية في الصادرات الأردنية نحو 65–70%، بينما يشكل المحتوى المستورد حوالي 30–35%.
في الصناعات الدوائية، ترتفع القيمة المضافة المحلية إلى ما يزيد عن 70%، في حين تنخفض في قطاعات مثل الألبسة بسبب استيراد المواد الخام.
هذه النسب تشير إلى أن الأردن ليس مجرد منصة تجميع، لكنه أيضاً ليس اقتصاداً مكتفياً إنتاجياً بالكامل. هناك استقلال نسبي، لكن سلاسل القيمة لم تتعمق بما يكفي لتقليل الاعتماد الخارجي.
سادساً: الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج – الحلقة الأضعف
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج في الأردن خلال الفترة 2010–2023 تراوح بين 0% و1% سنوياً، بل كان سالباً في بعض السنوات.
هذا يعني أن النمو الاقتصادي اعتمد بدرجة أكبر على تراكم رأس المال والعمل، لا على تحسين الكفاءة والابتكار. مقارنةً باقتصادات شرق آسيا التي سجلت نمواً في الإنتاجية بين 2–3% خلال مراحل التحول الصناعي، تبدو الديناميكية الأردنية محدودة.
وهنا تتكشف فجوة جوهرية في الهوية: الاقتصاد يمتلك قطاعات واعدة، لكنه لا يحقق قفزة إنتاجية نوعية.
سابعاً: البعد المالي والقيود الهيكلية
يبلغ الدين العام نحو 88–90% من الناتج المحلي، بينما تشكل الإيرادات الضريبية حوالي 70% من الإيرادات العامة، مع وجود منح خارجية لكنها ليست المكون الرئيسي.
هذا الوضع يعكس اقتصاداً غير ريعي بالكامل، لكنه يواجه قيوداً مالية تحدّ من قدرته على تمويل تحول صناعي واسع النطاق. كما أن استمرار البطالة عند مستويات مرتفعة، خصوصاً بين الشباب، يشير إلى فجوة بين النمو والقدرة على خلق فرص عمل نوعية.
الخلاصة: قراءة مركبة لمؤشر الهوية الاقتصادية للأردن
عند دمج المؤشرات كافة، تتشكل صورة مركبة:
• اقتصاد خدمي في هيكله العام.
• قاعدة صناعية متوسطة ذات روابط إنتاجية محفزة نسبياً.
• تنويع صادرات متوسط، دون هيمنة ريعية.
• تعقيد اقتصادي متوسط منخفض.
• قيمة مضافة محلية جيدة نسبياً.
• إنتاجية كلية ضعيفة النمو.
بناءً على ذلك، يمكن توصيف هوية الاقتصاد الأردني بأنها:
اقتصاد خدمي–صناعي متوسط التنويع، محدود التعقيد التكنولوجي، يمتلك استقلالاً إنتاجياً نسبياً، لكنه يعاني من ضعف ديناميكية الإنتاجية والتحول الهيكلي العميق.
إنه ليس اقتصاداً ريعياً نفطياً، ولا اقتصاداً صناعياً متقدماً، ولا اقتصاداً معرفياً مكتمل الأركان، بل اقتصاد في مرحلة انتقالية غير مكتملة، يقف على عتبة التحول دون أن يعبرها بعد.
والسؤال الاستراتيجي الذي يحدد مستقبل هويته ليس كم ينمو، بل:
هل يستطيع تعميق روابطه الإنتاجية، ورفع تعقيده التكنولوجي، وتحويل النمو الكمي إلى نمو نوعي قائم على إنتاجية أعلى وقيمة مضافة أكبر؟
هنا يتحدد مسار الهوية المقبلة للاقتصاد الأردني.