الأخبار

سارة طالب السهيل : هل سيصوم الروبوت؟

سارة طالب السهيل : هل سيصوم الروبوت؟
أخبارنا :  

في كل عام، حين يقترب رمضان، يهبط على العالم شعور غريب بالسكينة، كأن الزمن يبطئ قليلًا ليمنح الإنسان فرصة أن يسمع صوته الداخلي وسط ضجيج الحياة. لحظة الأذان، صوت الملاعق على المائدة، الدعاء الذي يعلو قبل أول لقمة، كلها مشاهد صغيرة لكنها تحمل معنى كبيرا، أن هناك مساحة مشتركة تجمعنا جميعًا في صفاء واحد. بالنسبة لي، ليس برمضان فقط أراجع نفسي، فأنا أفعل ذلك كل يوم، أحاسب روحي قبل أن أنام وأعيد حساباتي لأقرر كيف أعالج أخطائي وأحافظ على صفائي دون أن أؤذي أحدًا. لكن رمضان يظل مختلفًا، لأنه يضيف إلى هذه المراجعة الفردية بُعدًا جماعيًا وروحيًا أوسع، حيث تتلاقى ملايين الأرواح في لحظة واحدة من الصفاء. ومن هنا يبرز السؤال الذي يلحّ عليّ كلما فكرت في المستقبل، كيف سيكون رمضان بعد عشرين عامًا؟ هل سيبقى كما نعرفه اليوم، أم سيتحوّل في عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى شيء آخر؟ وهل يمكن أن نتصوّر يومًا أن الروبوت نفسه سيصوم؟.

 

في عام 2046، قد لا يكون المؤذن وحده من يرفع الأذان، بل هاتفك الذكي الذي لا يشبه هاتفك الحالي، حين يذكّرك بموعد الإمساك أو الإفطار. بعد عقود من الإدمان الرقمي والاتكال على التقنية، والغربة عن المشاعر، والعيش في خيال واقعي زائف.

رمضان في جوهره مدرسة صبر في زمن السرعة، مدرسة تأجيل للرغبة في عصر الإشباع الفوري، مدرسة صمت وتأمل في زمن الضجيج الدائم. إنه إعادة تشغيل للنظام الداخلي في "الوضع الآمن"، حيث نقول لرغباتنا تحديث معلّق، يرجى الانتظار (بلغة التكنولوجيا)..

المسارات أمام رمضان المستقبلية متباينة. قد يتحول إلى طقس اجتماعي سطحي تختفي فيه المعاني خلف صور الموائد والمحتوى الترفيهي، فيصبح جزءًا من اقتصاد المواسم و ذلك ان لم نتنبه للخطر من الان و نحاول حجز مقعد لأرواحنا الطيبة في رحلة السنوات القادمة دون ان ننساها خلفنا مع كل محاولات طمس هذه الروح الطيبة عمدا او دون عمد..

ولكن.. إذا أبعدنا هذه النظرة السلبية قليلا وفكرنا..

برأيكم هل يحدث ارتداد نحو الجوهر، حيث يزداد الحنين إلى البساطة كلما اشتد ضغط الحياة الحديثة، وتزداد قيمة المائدة التي تجمع العائلة حول وقت واحد وهدف واحد. وربما يصبح "الصيام عن الضجيج" مفهومًا شائعًا تقليل الأخبار، الامتناع عن الجدالات الرقمية، خفض ساعات الشاشة، وإعادة الاعتبار للقراءة المتأنية والحوار العائلي. أتذكر جيدًا تلك الليالي الرمضانية التي كنا نجتمع فيها نتحدث دون أن ننظر إلى شاشاتنا. هل سيعرف أطفال المستقبل هذه المتعة يومًا؟.

ومن زاوية أخرى، قد يعيد رمضان تشكيل معنى التضامن. في عالم تتسع فيه الفجوات الاقتصادية وتتصاعد فيه الأزمات المناخية والإنسانية، يمكن أن يتحول الشهر الفضيل إلى منصة أخلاقية كبرى لإعادة تعريف العدالة الاجتماعية. الزكاة قد تُفهم كجزء من منظومة تنموية مستدامة، والعمل التطوعي قد يصبح جزءًا من الهوية الشبابية لا نشاطًا عابرًا. فيتمسك الناس اكثر بهويتهم الروحية ولكن بشكل او إطار مختلف.

وفي زحام هذه التحولات، سيظهر الروبوت على مائدة الرحمن. عشرون عامًا تفصلنا عن بيوت لا تخلو من مساعد آلي يعد الطعام وينظف المجلس ويوقظ النائمين. قد تُبرمج هذه الآلات على "وضع الصيام”، فتخفض استهلاكها وتلتزم الصمت في أوقات الخشوع. لكن هل هذا صيام؟ الروبوت لا يجوع ولا يعطش ولا يشتهي. محاكاته للصيام مجرد خوارزمية، ليست امتناعًا عن رغبة. وهنا يكتشف البشر فرقهم الجوهري الروح التي تختار الامتناع بوعي، مقابل آلة تنفذ أوامر بلا شعور. وربما يكون وجود الروبوتات سببًا في تمسك البشر أكثر بإنسانيتهم، إذ يدركون أن الصيام ليس تعطيلًا للوظائف، بل مقاومة للرغبة.

التحدي الحضاري ليس في المحافظة على العادات فقط ، بل في صيانة المعنى. إذا بقي رمضان شهرًا يوقظ الضمير ويعيد ترتيب الأولويات ويمنح الإنسان فرصة مواجهة نفسه دون وسطاء، فإنه سيبقى حيًا مهما تغيرت الأزمنة. أما إذا تحوّل إلى مجرد موسم يمر سريعًا بين إعلان وآخر، فستضيع رسالته في صخب العصر. وربما نكتشف أن البشرية لم تكن بحاجة إلى تقاويم ذكية ولا إلى تطبيقات، بل إلى شهر يعيد لها القدرة على التوقف، إلى مساحة بيضاء في رقمنة الحياة.

إن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو إعلان يومي أن الإنسان قادر على أن يقول لا لرغباته، وأن يختار الصفاء على الفوضى، والرحمة على الأذى. وإذا استطاع الإنسان أن يحمل هذه الفكرة معه، فسيكتشف أن رمضان ليس موسمًا عابرًا، بل تدريب سنوي على أن يكون الإنسان إنسانًا بحق. سيظل رمضان، كما كان دائمًا، العلامة الفارقة على أن هناك شيئًا فينا لا يُصنع ولا يُبرمج ولا يُباع ألا وهو الروح. المفتاح الذي نطرقه كل عام لنفتح به بابنا المهجور (الذات) وربما لن يتغير رمضان كثيرًا، الذي سيتغير هو نحن. والسؤال الذي سيواجه الجيل القادم لن يكون كيف نصوم؟ بل لماذا نصوم؟ وحين يجدوا الإجابة الصادقة، سيظل رمضان فرصة سنوية لإنقاذ الإنسان من نفسه قبل أن ينقذه من العالم.

مواضيع قد تهمك