د. بلال محمود الوادي : من قازان إلى عمّان.. كيف نحول الابتكار إلى قوة اقتصادية؟
في قازان رأيت درساً اقتصادياً يستحق أن يُنقل إلى الأردن: الفكرة لا تُترك وحدها حتى تبحث عن طريقها إلى السوق؛ بل تُبنى حولها منظومة كاملة من الجامعة والمختبر والحاضنة والمسرّعة والمستثمر والمنحة والسوق. لهذا تبدو منظومات مثل «سكولكوفو» و«إنوبوليس» أكثر من مجرد مراكز تقنية؛ بل إنها منصات لتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.
وهذا هو جوهر الفرصة أمام الأردن. نحن نمتلك رأس مال بشرياً مميزاً، وجامعات، ومواهب شابة، وشركات ناشئة واعدة، لكن القوة الحقيقية تبدأ عندما تعمل هذه العناصر كمنظومة واحدة. وهذا ما تؤكده دراسة نوازش ميرزا وزملائها لعام 2026، «Innovation Ecosystems and Entrepreneurial Venture Capital»، والتي أظهرت أن البحث والتطوير، وبراءات الاختراع، ورأس المال البشري وفاعلية المؤسسات ترتبط بقوة بجذب رأس المال الجريء. أي أن المستثمر لا يمول فكرة فقط؛ بل يمول بيئة قادرة على تحويلها إلى نمو.
ومن هنا، يمكن أن نستفيد من التجربة الروسية في تصميم منح أكثر ذكاءً للنماذج الأولية، وربط الجامعات بصناديق الاستثمار، وبناء مسرعات متخصصة بالتكنولوجيا، وفتح مسارات أسرع أمام المشاريع الأردنية لاختبار منتجاتها والوصول إلى أسواق جديدة. وليس المطلوب استنساخ روسيا؛ فدراسة صوفيا هِس وبن سبيغل وزملائهما لعام 2026، «Theorizing Typologies of Entrepreneurial Ecosystems»، التي تناولت 748 مدينة في 102 دولة، تبيّن أن منظومات الريادة تختلف باختلاف كثافة الروابط بين الفاعلين فيها وطبيعة البيئة المحلية. فبالتالي النجاح إذن يكمن في التكييف، لا التقليد.
حتى التمويل يحتاج إلى إعادة تخيّل. لورنس نغاليم وأسلي توغان، في دراستهما لعام 2026 «Crowdfunding Finance and Entrepreneurial Ventures»، وجدا أن التمويل الجماعي يمكن أن يصبح مساراً بديلاً حقيقياً لدعم ريادة الأعمال. تخيلوا مشروعاً أردنياً يستطيع أن يختبر السوق، ويبني قاعدة عملاء، ويحصل على أول تمويل قبل أن يصل إلى المستثمر التقليدي؛ هنا يتحول الجمهور من متفرج إلى شريك في الابتكار.
لكن المال وحده لا يصنع النجاح. ففي دراسة بليك جاكسون وإيليا ستريبولاييف لعام 2026، «Human Capital in Venture Capital: Evidence From 100,000 Venture Capitalists»، أظهرت أن خبرة المستثمر ومهاراته ترتبط بقوة بنتائج الاستثمار. لذلك نحتاج رأس مال جريئاً ذكياً: مالاً يرافقه إرشاد، وشبكات، وخبرة، وأبواب للأسواق.
حين نربط البحث بالشركة، والمنحة بالسوق، والمستثمر بالجامعة، والتمويل الجماعي بالابتكار، فإننا لا ندعم رواد أعمال فحسب؛ بل نبني محركاً جديداً للاقتصاد.
الأردن لا تنقصه الأفكار. الفرصة الكبرى هي أن نجعل الفكرة أسرع إلى السوق، والمشروع أسرع إلى الاستثمار، والشركة الأردنية أسرع إلى العالم. عندها تصبح ريادة الأعمال والابتكار أدوات حقيقية للنمو، وجذب الاستثمار، وصناعة الوظائف، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
* الرئيس التنفيذي للجمعية الأردنية لريادة الأعمال
ــ الدستور