اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

لارا علي العتوم : الممر

لارا علي العتوم : الممر
أخبارنا :  

فرض سؤال نفسه في السياسة، وهو ماذا يريد الآخرون من هذه المنطقة، وأين يريدون أن يكون الأردن في الخريطة التي يعاد رسمها؟ فالمنطقة لا تعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها ثم العودة إلى ما قبلها، فنحن أمام إعادة تشكيل حقيقية لمعادلات القوة والأمن والنفوذ، من إيران والخليج والعراق، مروراً بسوريا، وصولاً إلى إسرائيل وفلسطين وفي قلب هذه الجغرافيا يقف الأردن الذي لا يستطيع تغيير موقعه، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يدير هذا الموقع وكيف يحمي مصالحه.

الأردن ليس طرفاً في الحروب التي تدور حوله، لكنه ليس بعيداً عن نتائجها، فحين تتحرك الصواريخ والطائرات المسيّرة في أجواء المنطقة، وحين تتبدل خرائط النفوذ على الحدود، وحين تتغير طبيعة الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري، وحين تتسارع التحولات في الضفة الغربية والقدس، يصبح من الصعب التعامل مع هذه الملفات باعتبارها أحداثاً تجري خارج المجال الحيوي الأردني، فالجغرافيا ليست موقعا على الخريطة فقط بل سياسة، والأردن بحكم موقعه يجد نفسه عند تقاطع أكثر من مسار كالمسار السوري شمالاً، والمسار العراقي شرقاً، والمسار الفلسطيني غرباً، والامتداد الخليجي جنوباً، فيما تتقاطع فوق هذه الجغرافيا حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتركيا والقوى العربية.

إن القاعدة الأردنية واضحة بأن الأردن ليس ممراً لنزاعات الآخرين، وليس ساحة لتصفية حساباتهم ولن تتحول الأراضي الأردنية إلى منصة لاستهداف طرف آخر، ولن يصبح المجال الجوي الأردني جزءاً من معادلات عسكرية لا يملك الأردن قرارها، ولن تتحول الحدود الأردنية إلى خط تماس جديد في نزاعات الإقليم، والقدس ليست عنواناً دبلوماسياً بالنسبة للاردن بل جزء من تاريخ الدولة ودورها ومكانتها والوصاية الهاشمية على المقدسات ليست ملفا بروتوكوليا بل عنصر من عناصر الدور الأردني في المنطقة.

وهذا ليس بمسألة اصطفاف سياسي بل مسألة سيادة، السيادة التي تحميها القدرة على معرفة ما يحدث قبل وقوعه والاستعداد لما قد يحدث، وامتلاك خيارات متعددة عندما تتغير الظروف، وليس مهماً تحت أي عنوان تُقدَّم الترتيبات الجديدة، ولا كيف تُسمى سياسياً، بقدر ما يهم ما ستنتجه فعلياً على الأرض.

وبما ان الاردن لا يستطيع ايقاف جميع الحروب لكنه يستطيع أن يحدد ما الذي يسمح بأن يصل إليه منها، وما الذي يجب أن يبقى خارج حدوده، فالحرب لا تحتاج إلى عبور الحدود حتى تصل إلى المواطن، لذلك فالدبلوماسية الأردنية ستتجه في المرحلة المقبلة إلى إدارة المصالح داخل الأزمات، والحفاظ على التحالفات رغم عدم السماح بأن تتحول إلى قيود على القرار الوطني.

إن الاردن بحكم موقعه واستقراره ودبلوماسيته وقدرته على الاستباق، دولة تفرض شروط مرور الأزمات من حولها بدون أن تسمح لها بالعبور إلى أمنها واستقرارها، فالاردن اختار موقعه في السلام، وفي الأمن، فالدول لا تختار جغرافيتها، لكنها تستطيع أن تختار كيف تستخدمها.

حمى الله أمتنا

حمى الله الأردن


مواضيع قد تهمك