رمزي الغزوي : الإنسان المُعاد صنعه
كل عصر يعيد رسم الإنسان على صورته. عصرنا يمسك بالإنسان من جلده هذه المرة، ويمد يده إلى العصب والذاكرة والحواس. ما كان بالأمس خيالا علميا صار يطرق أبوابنا: أطراف تتحرك بالكهرباء، عيون تستعين بالخوارزميات، وذاكرة تمتد إلى السحابة. كأن الإنسان، بعد أن عاش طويلا داخل جسده، بدأ يفتح فيه نوافذ جديدة، ويريد أن يعيد بناء نفسه بأدوات لم يعرفها أسلافه.
يسمون المرحلة المقبلة «النهضة السايبورغية»؛ اللحظة التي لا تعود فيها التكنولوجيا شيئا نحمله في اليد أو نضعه على الطاولة، بل شيئا يسكن الجسد نفسه. سيظهر الإنسان المعزز، جسدا قابلا للتعديل، وذاكرة قابلة للتمديد، وحواس يمكن ترقيتها كما نرقّي جهازا قديما. عندها ستتغير أسئلة قديمة ظلت راسخة فينا: ماذا يبقى من الجسد حين تدخل الكهرباء إلى أطرافه؟ وأين تنتهي الهوية حين تصبح بعض ذاكرتنا محفوظة في خوادم لا تنام؟ المخيف في هذا المستقبل ليس أن الآلة ستدخل الإنسان، وإنما أن الإنسان قد يسمح لها بالدخول إلى تعريفه لنفسه. فإذا كانت الخوارزمية تعرف ما نحب، وتتوقع ما سنختار، وتقرأ أنماطنا قبل أن ننتبه إليها، فمن الذي يمسك بالخيط؟ ومن الذي يقرر أين تنتهي رغبة الإنسان وتبدأ البرمجة؟ قد نتحرر من بعض قيود البيولوجيا، ونكتشف في الطريق أننا سلمنا مفاتيح جديدة إلى يد لا نعرف صاحبها.ومع ذلك، يحمل هذا التحول فرصة نادرة؛ أن ننظر إلى الإنسان باعتباره كائنا لم تكتمل صورته بعد. فالتقنية قد تساعد المريض على المشي، والأعمى على الرؤية، والذاكرة على الاتساع. غير أن أخطر ما يمكن أن تمنحه لنا ليس جسدا أقوى، بل قدرة على تعديل أحلامنا نفسها. حين يصبح العجز قابلا للإصلاح بالدوائر والأسلاك، قد يصبح الحلم قابلا للترقية أيضا. وحينها لن نغير ما نملك فقط، بل قد نغير ما نجرؤ على طلبه من الحياة.
المستقبل لم يعد بعيدا في آخر الطريق؛ إنه يلمسنا الآن، نبضة في عصب، وشريحة تحت الجلد، وذاكرة معلقة في مكان لا نراه. ومع كل خطوة إلى الأمام سيبقى شيء قديم يطالب بحقه: هشاشتنا، خوفنا، حاجتنا إلى اللمسة، وقدرتنا على أن نحلم من دون أن يخبرنا أحد بما ينبغي أن نحلم به.
فالآلة قد تتعلم كيف تحسب أسرع منا، وكيف ترى أبعد منا، وربما كيف تتنبأ بما سنفعل. غير أن الإنسان سيظل في حاجة إلى ذلك الشيء الصغير الذي لا يمكن زرعه في العصب: أن يشعر أن حياته حياته.
وربما يكون السؤال الأخير في تلك النهضة ليس: كم سنصبح أكثر من بشر؟ إنما: كم من الإنسان سنتركه لنا ونحن نصنع الإنسان الجديد؟
ــ الدستور