رشاد ابو داود : لا تخف من تقدم العمر!
سألني صديق بحريني قديم: ماذا تفعل هذه الأيام بعد التقاعد من العمل اليومي؟ قلت له: أعيش كل ما حرمتني منه مهنة الصحافة اليومية. أنام وقت أشاء وأصحو متى أشاء، أخفف من الأكل ومن الاختلاط بمن هم عسيري الهضم. أقرأ وأكتب. أربي نفسي على أن الوحدة ليس أن تكون وحيداً فكم من انسان حوله كثر لكن لا أحد معه. أستمتع بولادة الشمس كل صباح ولا أحزن لغروبها لأتها ستشرق غداً. وأمضي معظم الوقت مع من يتكلم بصمت او بموسيقى صافية بلا نفاق ولا نميمة، الشجر والعصافير.
قلت له: هل تعلم أنني فرحت عندما وجدت من يشبهني أو بتعبير أدق أشبهه. انه الفنان الآميركي الشهير ريتشارد جير. كلانا تقريباً في نفس العمر المتقدم ونفس المفهوم للحياة. جير مؤيد بقوة للفسطينيين ومناهض للاحتلال. في نيسان من العام الماضي ظهر وهو يقرأ قصيدة لمحمود درويش. له تاريخ طويل في تأييد الحقوق الفلسطينية وزار الأراضي المحتلة عدة مرات حتى قبل حرب غزة.
اسمع ما يقول جير عن خلاصة تجربته في الحياة:
لا تخف من العمر، بل خف من أن تمر بالحياة دون أن تشعر بها حقاً. لأن التقدم في السن لا يعني الذبول بل يعني أحياناً أن تبدأ أخيراً في السطوع من الداخل.
الشيخوخة ليست مجرد تجاعيد. وليست مجرد شعر رمادي، وليست مجرد رقم في وثيقة بل هي اللحظة التي تبدأ فيها أخيراً بفهم أن الحياة لا يجب أن نركض خلفها طوال الوقت بل يجب أن نعيشها، صحيح أن الجسد يتغير والوجه لم يعد كما كان في مرحلة الشباب والحركات تصبح أبطأ..
ولكن هناك شيء لا يمكن للزمن أن يأخذه، إنه القلب لأن القلب لا يشيخ بالطريقة التي يشيخ بها الجسد. إنه يتذكر الحب الأول، الأحلام الأولى، الخسارة الأولى، والفرحة التي جعلتك ترغب في احتضان العالم. الروح لا عمر لها. إنها تبقى حيث تعلمنا لأول مرة كيف نشعر حقاً. وربما مع مرور السنين يأتي الفهم الأكثر أهمية.
العشرون.. تمنح الشجاعة. الثلاثون تمنح القوة للبناء، الأربعون.. تمنح الصدق مع النفس.. الخمسون تمنح العمق، الستون تمنح الحكمة. أما السبعون فتمنح الهدوء الذي لم يعد بحاجة لإثبات أي شيء لأي أحد.
كل مرحلة من مراحل الحياة تجلب معها هديتها الخاصة والتقدم في السن ليس هزيمة بل امتياز ونعمة لأن ليس الجميع يُتاح لهم رؤية شعرهم الرمادي. وليس الجميع يحصلون على فرصة استقبال ربيع آخر.
ليس الجميع يستيقظون في الصباح ويمكنهم ببساطة القول: «أنا ما زلت هنا».
في كثير من الأحيان، نحارب الزمن نخفي التجاعيد نشعر بالخجل من العمر نقارن أنفسنا بالصور القديمة نحاول أن نبدو كما لو أن السنين لم تلمسنا. ولكن ربما الانتصار الحقيقي ليس في أن تظل تبدو شاباً من الخارج بل في ألا تشيخ من الداخل. أن تحافظ على فضولك، ألا تفقد رقتك، أن تظل مدهوشاً، أن تضحك بصدق لا أن تكذب بصدق، أن تحب بلا خوف، أن تكون ممتناً للأشياء البسيطة، وأن ترى الجمال حتى في الظروف البشعة. السر ليس في أن تبدو شاباً. السر هو أن تكون لديك روح حية حتى اليوم الأخير. عندها، يتوقف كل عام عن أن يكون خسارة ويصبح هدية.