د. زياد الزعبي : المطارات ومطار الملكة علياء
للمطارات ملامحها: مدرجاتها، خضراؤها أو صحراؤها، أضواؤها، روائحها، ألوانها، سقوفها، ممراتها، الوجوه التي تنظر إليك بمحبة أو بريبة. عشرات المطارات في العالم تأملتها، لكن مطارا واحدا يمنحني الإحساس بالأمن والحماية والمحبة والشعور بأنني أعود إلى عشي، أو بيتي الذي يحميني وأحميه. مطار الملكة علياء في عمان، عتبة الوطن، عتبة البيت، عتبة الوجود الحق. مجرد أن تهبط الطائرة على مدرجاته أتنفس هواء ينعشني، يطلق فيّ طاقة الحياة، أولد من جديد، كأن الفضاء كان عمر انتظار طويل للوصول إلى الأرض التي أعرف والتي أحب.
تعود إلى الأرض، تشم رائحة التراب، تطالعك الوجوه التي ألفتها، رجال الأمن، والناس المنتظرين حقائبهم التي تضم ما يحبون، بعض ملابس، وأشياء صغيرة، وهدايا للأحبة، ورائحة وطن حفظوه في قلوبهم، وعادوا إليه مبتهجين بالأرض والناس.
هي الألفة التي تمنحك الأفق الذي تعرف، تمنحك الشعور بأنك تعود إليك هنا، بعد أن كنت غريبا بعيدا هناك. بيت عالق في ذاكرتك، وتحفظه مخيلتك، صورة أم بثوبها الأسود الطويل وعرجتها تسكن خيالك، نافذة تطل على طريق الرفاق، رائحة تسكن حواسك كلها، تشمها وتراها وتلمسها، وطريق ترابي تصعد إليه وخلفك عجاجه، ربيع قصير يلون الأرض بألوان قوس قزح بعد شتاء حافل يعيد الحياة إلى الأرض بعد موتها.
بيتك عشك الذي تصل إليه كما يصل عصفور إلى عشه على شجرة في غابة. تصغر الغابة لتصير عشا، تصغر الجغرافيا لتصير بيتا. إن بيتك يسكنك كما تسكنه، يألفك كما تألفه. يعرف رائحتك كما تحفظ رائحته. يحفظك ويضمك، وتحفظه ذاكرتك مثل وشم عصي على الامحاء.
حين ألف جاستون باشلار كتابه (La poétique de l’espac ) شعرية المكان، الذي ترجمه الروائي الأردني غالب هلسا بعنوان جماليات المكان، كان يضع بين أيدينا لغة فلسفية تعبر عن علاقتنا بأماكننا التي نحب. كان يربط الأمكنة بالشعر وبالذاكرة التي تحفظها. كان باشلار يفلسف علاقاتنا بأمكنتنا التي نألف. كان يشخص حالة الأمكنة الصغيرة التي تحتوينا وأسرارنا ووحدتنا وسكينتنا. كانت الأعشاش والصناديق والزاويا والأصداف التي تحفظنا والتي نحفظها ونشكلها بوصفها أمكنة الألفة والحماية والهوية كما ترى انا- ماريا غريفوروس في كتابها (Der territoriale Mensch) "الإنسان المكاني". تلك الأمكنة التي تتشكل شعريا في المخيلة والذاكرة لتكون عصية على الامحاء. لأنها وجودنا وملجؤنا.