اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : في وداع السنديانة

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : في وداع السنديانة
أخبارنا :  

عندما غادرت والدتي الغالية هذه الدنيا، لم تغب شمسُ أمٍّ رؤوم فحسب، بل هوى ركنٌ من أركان الحكمة التي تظللنا بفيئها عمراً بأكمله. غابت تلك السنديانة الأردنية الراسخة العميقة الجذور، التي كانت تمنح بيتنا صلابته، وتسدل على أيامنا ظلالاً من السكينة والوقار. كانت سيدة استثنائية جسدت وعينا الجمعي. تركت في القلب جرحاً ليس له إلا التسليم والاحتساب، وفي الروح فراغاً لا يملؤه إلا الإرث العظيم الذي حملته في وجدانها وغرسته فينا. إرثاً تشكّل وتأصل بين قمتين، والدها العلَم و رجل الدولة والقانون عبد الرحيم الواكد، ورفيق دربها وفارس العطاء الوطني عبد اللطيف العواملة.

لم تكن أمي يوماً مجرد شاهدة على مسيرة بناء ومحطات تأسيس، بل كانت المستودع الأمين والحارس اليقظ لمنظومة القيم التي صاغ بها بناة الوطن تاريخ هذه الأرض. في كنف والدها، تشربت معنى هيبة الدولة المقترنة بالنزاهة، ومفهوم سيادة الحق، وأدركت كيف يكون المسؤول خادماً للمجتمع لا متسلطاً عليه، وكيف تُشاد الأوطان بالعدالة وثبات المبدأ والكلمة الشجاعة التي لا تلين أمام عواصف الزمان ومغرياته.

ثم جاء قدرها لتكون السند والشريكة لأبي. فوقفت معه في كل منعطف، تُدير دفة الأسرة بحكمة المرأة الأردنية الأصيلة، وتصنع في كواليس الأيام ملاذاً من السكينة يمنح الفارس عزمَه ليخوض غمار واجبه مطمئناً. كانت بحق سنديانة البيت الصامدة في وجه رياح الشدائد، فتورق صبراً وعطاءً وتماسكاً.

علمتنا أمي أن الوطنية ليست ادعاءً ولا حكراً، بل هي ميثاق أخلاقي وممارسة يومية. فالأردن في عرفها ليس مجرد بقعة جغرافية أو ترابٍ نعيش فوقه، بل هو كرامة وهوية، وضميرٌ حيّ نعيش به وفيه. هو وطن لكل من يعيش على أرضه، يؤمن برسالته، يفي بعهده، ويصون كرامته، ويدافع عن مبادئه وثوابته بالعمل الصادق لا بالاستعراض.

علمتنا السنديانة ان الوطن التزام ومسؤولية لا شعارات رنانة. علمتنا أن حب الأردن يُقاس بـنظافة اليد واللسان، وبمدى احترام القانون والذود عن العدالة الاجتماعية. كانت تروي الاحداث التي تدلل على ان أصغر تفاصيل الواجب العام هو جوهر الوطنية.

جسّدت أمي في حياتها أن الانتماء يتجلى في التلاحم المجتمعي ونبذ التعصب وحماية النسيج الوطني. فالوطن يتسع لكل المخلصين الذين يحملون همه، يشاركون في بنائه، ويصونون أمنه واستقراره في عين العواصف. علمتنا، رحمها الله، أن الجذور الصلبة للأشجار العتيقة لا تصخب، وأن البناء الرصين ينمو بالعمل الصامت.

يا امي، يا سنديانتي .. احاول اليوم جمع شتات الكلمات التي تتهيب مقامكِ. أستعيد مجلسكِ الذي يملؤه التاريخ و الحكمة و الذكريات، لا زلت ارى نظراتكِ الوادعة المليئة بالحزم النبيل، و اسمع دعواتكِ الصادقة التي كانت وما زالت حصناً منيعاً في دروب الحياة. لقد كنتِ الجسر الحيّ الواصل بين زمن التأسيس والرجولة، وحاضرا نجتهد فيه لنكون على قدر تلك الأمانة الثقيلة.

رحمكِ الله يا أمي رحمة واسعة، وجزاكِ خير الجزاء. نامي قريرة العين يا رفيقة الروح ونبض الحكمة، فنحن على العهد.

و»إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».


مواضيع قد تهمك