اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. عبد الفتاح الدرادكة : وحدة التغييز الشاطئية في العقبة

د. عبد الفتاح الدرادكة : وحدة التغييز الشاطئية في العقبة
أخبارنا :  

يشكل مشروع إنشاء وحدة التغييز الشاطئية في ميناء الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للغاز الطبيعي المسال في العقبة أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يشهدها قطاع الطاقة الأردني في السنوات الأخيرة. فهو ليس مجرد مشروع هندسي لتطوير منشأة قائمة، بل يمثل استثمارًا طويل الأمد في أمن الطاقة الوطني، ويؤسس لمرحلة جديدة من الكفاءة التشغيلية، وخفض الكلف، وتعزيز الاعتماد على البنية التحتية الوطنية في إدارة قطاع الغاز الطبيعي.


وربما يتساءل الكثيرون عن معنى "التغييز”، ولماذا يحظى هذا المشروع بكل هذا الاهتمام الرسمي والإعلامي. وللإجابة عن ذلك، لا بد من العودة إلى الظروف التي مر بها قطاع الكهرباء الأردني خلال العقد الماضي، والتي شكلت نقطة التحول في سياسة المملكة لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن التزود بها.


قبل عام 2011، كانت محطات توليد الكهرباء في الأردن تعتمد على الغاز الطبيعي المستورد من جمهورية مصر العربية لتغطية ما يقارب 80% من احتياجاتها من الوقود. وكان الغاز يصل عبر خط الغاز العربي مباشرة من الحقول إلى محطات التوليد، دون الحاجة إلى عمليات إسالة أو إعادة تغييز، مما جعل تكلفة إنتاج الكهرباء منخفضة نسبيًا، وأسهم في استقرار النظام الكهربائي.

ــ الراي


إلا أن الانقطاعات المتكررة لإمدادات الغاز المصري اعتبارًا من عام 2011 أجبرت الأردن على التحول إلى استخدام الديزل والوقود الثقيل لتشغيل محطات التوليد. ورغم قدرة هذه المحطات على العمل بهذه الأنواع من الوقود، إلا أن كلفتها كانت مرتفعة، وكفاءتها أقل، وانبعاثاتها البيئية أعلى، الأمر الذي أدى إلى تكبد شركة الكهرباء الوطنية خسائر تراكمية تجاوزت خمسة مليارات دينار، وشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني.


ولمواجهة هذه التحديات، أنشئ ميناء الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للغاز الطبيعي المسال في العقبة، الذي دخل الخدمة في شهر تموز عام 2015، بدعم من المنحة الخليجية وتمويل من دولة الكويت الشقيقة. وقد اعتمد المشروع آنذاك على وحدة التخزين وإعادة التغييز العائمة (FSRU)، وهي سفينة متخصصة تستقبل ناقلات الغاز الطبيعي المسال، وتقوم بتخزينه ثم إعادة تحويله من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية، قبل ضخه عبر شبكة الغاز الوطنية إلى محطات توليد الكهرباء والمصانع.


وتعني عملية "التغييز” إعادة الغاز الطبيعي المسال إلى حالته الغازية بعد وصوله بحرًا. فالغاز الطبيعي يبرّد إلى درجة حرارة تقارب 162 درجة مئوية تحت الصفر ليتحول إلى سائل، فينخفض حجمه إلى نحو 1/600 من حجمه الأصلي، مما يجعل نقله بالسفن أكثر كفاءة واقتصادية. وعند وصوله إلى ميناء الاستقبال، تتم إعادة تسخينه داخل وحدات متخصصة ليعود إلى حالته الغازية ويصبح جاهزًا للاستخدام في توليد الكهرباء والقطاع الصناعي.


وقد مثل إنشاء ميناء الغاز الطبيعي المسال نقطة تحول استراتيجية في قطاع الطاقة الأردني، إذ أصبح بإمكان المملكة استيراد الغاز من الأسواق العالمية بدلًا من الاعتماد على مصدر واحد، وهو ما عزز أمن التزود بالطاقة ورفع مرونة النظام الكهربائي في مواجهة المتغيرات الإقليمية.


كما أثبتت تجربة استيراد الغاز الطبيعي المسال نجاحها الاقتصادي، إذ أسهمت، وفق تقديرات قطاع الطاقة، في تحقيق وفر تجاوز مليارًا ونصف المليار دينار خلال السنوات الأولى من التشغيل مقارنة بالاستمرار في استخدام الوقود السائل، وذلك نتيجة انخفاض أسعار الغاز العالمية وارتفاع كفاءة محطات التوليد العاملة بالغاز، إضافة إلى تقليل الانبعاثات البيئية وإطالة العمر التشغيلي للمحطات.


ورغم نجاح الوحدة العائمة، فإنها كانت تؤدي وظيفتين رئيسيتين في آن واحد؛ التخزين، والتغييز(اعادة الغاز المسال الى الحالة الغازية)، وهو ما كان يترتب عليه كلف تشغيل وصيانة واستئجار مرتفعة، فضلًا عن الحاجة إلى استمرار استئجار هذا النوع من الوحدات المتخصصة.


ومن هنا جاء القرار بإنشاء وحدة تغييز شاطئية دائمة، يتوقع أن تدخل الخدمة خلال الربع الأول من عام 2027. وبالتوازي مع ذلك، تم التعاقد على استئجار باخرة تخزين بعقد تمويلي لمدة عشر سنوات، تؤول ملكيتها في نهاية العقد إلى شركة الكهرباء الوطنية. وستخصص هذه الباخرة لتخزين الغاز الطبيعي المسال فقط، بينما تتولى الوحدة الشاطئية عمليات إعادة التغييز وضخ الغاز إلى شبكة الأنابيب التي تغذي محطات توليد الكهرباء والقطاعات الصناعية.


ويمثل هذا التحول نقلة نوعية في إدارة قطاع الغاز، إذ يؤدي إلى فصل وظيفة التخزين عن وظيفة إعادة التغييز، الأمر الذي يخفض الكلف التشغيلية، ويزيد كفاءة الأداء، ويقلل أعمال الصيانة، ويرفع الاعتمادية، ويمنح الأردن أصولًا استراتيجية مملوكة للدولة بدلًا من الاعتماد المستمر على استئجار الوحدات العائمة.


ولا تقتصر فوائد المشروع على قطاع الكهرباء، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ يوفر بنية تحتية متطورة تتيح التوسع في استخدام الغاز الطبيعي في الصناعات الوطنية، بما يخفض كلف الإنتاج ويزيد القدرة التنافسية للصناعة الأردنية، ويشجع على استقطاب استثمارات جديدة تعتمد على الطاقة النظيفة نسبيًا. كما يفتح المجال مستقبلًا أمام تقديم خدمات تخزين وإعادة تغييز الغاز لدول المنطقة، مستفيدًا من الموقع الاستراتيجي للعقبة على البحر الأحمر.


كما يسهم المشروع في بناء كوادر وطنية متخصصة في تشغيل وإدارة وصيانة مرافق الغاز الطبيعي المسال، ويعزز نقل المعرفة والتكنولوجيا، ويؤكد المكانة الريادية للأردن، الذي كان من أوائل دول المنطقة التي بادرت إلى إنشاء ميناء لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغييزه بعد الأزمة التي واجهها قطاع الطاقة.


وتنسجم هذه الخطوة مع رؤية التحديث الاقتصادي، التي تؤكد أهمية توفير طاقة آمنة وموثوقة ومنخفضة الكلفة باعتبارها ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات. كما تمهد البنية التحتية الجديدة للتوسع في استخدام الغاز الطبيعي في القطاعات الصناعية والخدمية، وتوفر مرونة أكبر للتعامل مع التحولات المستقبلية في أسواق الطاقة العالمية.


إن مشروع وحدة التغييز الشاطئية ليس مجرد تطوير تقني لمنشأة قائمة، بل هو استثمار وطني في مستقبل الأردن، يعزز أمن الطاقة، ويخفض كلف إنتاج الكهرباء، ويدعم الاستدامة المالية لقطاع الطاقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاعتماد على الأصول الوطنية والبنية التحتية الحديثة. وهو نموذج واضح لكيفية تحويل التحديات إلى فرص، والاستثمار في المشاريع الاستراتيجية التي تخدم الاقتصاد الوطني لعقود قادمة، وتؤكد أن التخطيط السليم والبنية التحتية المتطورة هما الأساس لبناء قطاع طاقة قوي وقادر على مواجهة المتغيرات الإقليمية والعالمية.


والله من وراء القصد





مواضيع قد تهمك