م. محمد النجدواي : الحكم المحلّي بداية التحديث السياسي
الأحزاب لا تُبنى في فراغ، والمواطنة السياسية تبدأ من الحي والبلدية قبل أن تصل إلى صناديق الاقتراع
بعد سنوات من إطلاق مشروع التحديث السياسي في الأردن، ما زال من المشروع أن نسأل: لماذا لم تتحرك الحياة السياسية بالسرعة التي توقعها كثيرون؟ هل تكمن المشكلة في قوانين الانتخاب والأحزاب، أم أن جانباً مهماً من الإصلاح بقي بعيداً عن دائرة الاهتمام؟
انصبّ جانب كبير من النقاش العام على بناء أحزاب قادرة على المنافسة، والوصول إلى مجلس نواب تتسع فيه المشاركة الحزبية. وهذا هدف ضروري، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال يسبق ذلك كله: كيف يتكوّن المواطن الذي يمارس السياسة عن معرفة وقناعة، لا بوصفها موسماً انتخابياً ينتهي بإغلاق الصناديق؟
الحزب لا ينمو في فراغ، والبرلمان لا يصنع حياة سياسية من تلقاء نفسه. فكلاهما يحتاج إلى مجتمع اعتاد المشاركة، وإلى مواطن يدرك أن صوته يمكن أن يُحدث فرقاً، وأن صلته بالشأن العام لا تقتصر على يوم الاقتراع.
وهذه الثقافة لا تتشكل بقرار، ولا تُكتسب دفعة واحدة، بل تبدأ غالباً من مسائل يومية تبدو بسيطة: شارع يحتاج إلى صيانة، أو مدرسة ينتظرها الأهالي، أو خط نقل لا يلبي حاجات السكان، أو مشروع تطالب به منطقة منذ سنوات.
فعندما يناقش الناس أولويات منطقتهم، ويختلفون حولها، ثم يتوصلون إلى موقف مشترك ويطالبون بتنفيذه، فإنهم يمارسون السياسة في صورتها الأقرب إلى حياتهم، حتى لو لم يصفوا ما يفعلونه بأنه عمل سياسي.
هنا تبرز قيمة الحكم المحلي؛ فهو ليس مجرد ترتيب إداري يخفف العبء عن الحكومة المركزية، ولا وسيلة لتوزيع الخدمات بين البلديات ومجالس المحافظات والوزارات. قيمته الحقيقية أنه يفتح أمام المواطن باب المشاركة في القرار الذي يمس حياته مباشرة، ويمنحه فرصة لرؤية نتائج اختياره واختبار أداء ممثليه على أرض الواقع.
ومن الضروري التمييز بين الإدارة المحلية والحكم المحلي؛ فالإدارة المحلية تقدم الخدمة إلى الناس، أما الحكم المحلي فيشركهم في تحديد الخدمة المطلوبة، وترتيب أولوياتها، ومتابعة تنفيذها. في الحالة الأولى قد تبقى السلطة الفعلية في مكان آخر، بينما يصبح المجتمع، في الحالة الثانية، شريكاً في صنع القرار.
قد يبدو الفرق بين المصطلحين محدوداً، لكنه يتصل في جوهره بطريقة إدارة الدولة وطبيعة علاقتها بمواطنيها. فإذا كنا نريد مواطناً قادراً على المفاضلة بين البرامج السياسية ومحاسبة الحكومات والنواب، فمن الطبيعي أن نمنحه أولاً فرصة المشاركة في القضايا التي يعرفها عن قرب ويلمس نتائجها كل يوم.
والعمل المحلي هو الحاضنة الأولى للقيادات العامة؛ ففي المجلس البلدي أو مجلس المحافظة يظهر المسؤول الذي يفهم مشكلات الناس، ويستمع إليهم، ويدير الخلاف، ويقترح حلولاً قابلة للتنفيذ. وهناك يصبح الأداء قابلاً للقياس، فلا يكفي أن يرفع المرشح شعاراً عاماً أو يقدم وعداً يصعب التحقق منه.
ومن هذه التجربة يمكن أن تصل إلى الأحزاب شخصيات تعرف الإدارة والمجتمع وسبق أن اختبرها الناس، لا شخصيات لا تملك سوى الرغبة في خوض الانتخابات. كما يمنح العمل المحلي الأحزاب قضايا فعلية تبني حولها برامجها، مثل النقل العام، والتنظيم، والمياه، والتعليم، وفرص العمل، والتنمية المحلية، وعدالة توزيع المشروعات.
لذلك، لا يكفي صدور قانون متقدم للأحزاب لصناعة أحزاب قوية، كما أن زيادة عدد الأحزاب ليست دليلاً تلقائياً على نضج الحياة السياسية. فقوة الحزب تظهر في حضوره بين الناس، وفهمه لمشكلاتهم، وقدرته على تقديم قيادات بنت ثقتها من خلال عمل عام ملموس.
الحكم المحلي، بهذا المعنى، ليس ملفاً جانبياً في مشروع التحديث السياسي، بل يمثل بنيته التحتية وقاعدته الاجتماعية. لذلك، لا ينبغي أن تنحصر مراجعة التشريعات الناظمة للإدارة المحلية في تغيير أسماء المجالس أو إعادة تشكيلها أو نقل بعض الاختصاصات بينها وبين الحكومة، بل في الإجابة عن السؤال الأهم: هل يملك المجلس المنتخب سلطة فعلية لاتخاذ القرار؟
فاللامركزية لا تعني نقل المعاملة من مكتب في العاصمة إلى آخر في المحافظة، وإنما نقل جزء محدد من سلطة القرار إلى المستوى المحلي، مصحوباً بالموارد اللازمة للتنفيذ، ومسؤولية واضحة تتيح للناس معرفة الجهة التي ينبغي محاسبتها. وهي لا تُقاس بعدد المجالس المنتخبة، بل بحجم القرار الذي تملكه وقدرتها على تنفيذه.
ولا يستطيع مجلس محلي أداء دوره إذا طُلب منه تحديد الأولويات من دون موازنة كافية، أو ظل تنفيذ قراراته مرهوناً بسلسلة طويلة من الموافقات المركزية. وعندما يتعثر مشروع ويتوزع القرار بين المجلس والبلدية والوزارة وجهات أخرى، تضيع المحاسبة وتتمكن كل جهة من إحالة المسؤولية إلى غيرها.
والمعادلة واضحة: لا مسؤولية من دون صلاحية، ولا صلاحية فاعلة من دون موارد مالية وإدارية محددة.
وينعكس ضعف الصلاحيات وتداخل المسؤوليات على ثقة المواطن بالمؤسسة المحلية، وقد تكون نسب المشاركة الانتخابية من المؤشرات التي تستدعي التوقف عندها. ففي انتخابات مجالس المحافظات والمجالس البلدية ومجلس أمانة عمّان عام 2022، بلغت نسبة الاقتراع نحو 29.6%، مقارنة بقرابة 31.7% عام 2017، وكانت العاصمة عمّان الأقل مشاركة على مستوى المملكة.
وتدفع هذه الأرقام إلى التساؤل عن مدى اقتناع الناخب بجدوى الصلاحيات الممنوحة للمجالس المحلية، رغم أن قراراتها تمس حياته اليومية بصورة مباشرة.
ولا يمكن ردّ العزوف الانتخابي إلى سبب واحد؛ فهناك عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية متداخلة، من بينها شعور شريحة من المواطنين بأن المجالس المنتخبة لا تملك من الصلاحيات ما يجعل التصويت لها ذا أثر ملموس. لذلك يبقى السؤال الأكثر اتصالاً بالتجربة المحلية حاضراً: هل يشعر المواطن بأن صوته سيغيّر فعلاً طريقة إدارة منطقته؟
فالناس لا يحكمون على التجارب من خلال النصوص القانونية وحدها، بل من خلال النتائج. يريد المواطن أن يعرف ماذا قرر المجلس، وكيف أنفق موازنته، ولماذا تقدم مشروع على آخر، وإلى من يتوجه عندما يتأخر التنفيذ أو يتعثر.
ولا يتحقق الانتقال إلى الحكم المحلي بمجرد تعديل القانون، بل يحتاج إلى صلاحيات محددة بوضوح، وموازنات مستقرة تتناسب مع المسؤوليات، وجهاز تنفيذي تُحدَّد علاقته بالمجلس المنتخب، وشفافية تتيح للمواطن متابعة القرار والإنفاق والإنجاز. فعندما تتضح حدود كل جهة، يصبح من الممكن قياس الأداء وتحديد المسؤولية والمحاسبة على النتائج.
ومن الضروري أيضاً أن يشارك السكان في مناقشة أولويات الموازنات المحلية، وأن تُنشر قرارات المجالس وتقارير الإنجاز والإنفاق بلغة يفهمها الناس، لا بلغة إدارية مغلقة. كما ينبغي توفير قنوات دائمة لتقديم المقترحات ومتابعة المشروعات، حتى لا تبقى علاقة المواطن بالمجلس محصورة في يوم الانتخابات.
وتزداد الحاجة إلى ذلك في القرى والبلدات والمحافظات البعيدة عن المركز؛ ففي هذه المناطق تكون الاحتياجات واضحة لأهلها، لكن صوت السكان قد لا يصل إلى دوائر القرار بالسرعة أو القوة المطلوبتين. وحين يمتلك المجتمع المحلي مساحة حقيقية لترتيب أولوياته، يصبح توزيع التنمية أكثر عدالة، وتقترب السياسات من واقع الناس.
إن المواطن الذي يرى أن مشاركته أسهمت في تعبيد طريق، أو إنشاء مدرسة، أو تحسين شبكة النقل، أو دعم مشروع منتج في منطقته، ستتغير نظرته إلى العمل العام. لن تعود الدولة في نظره جهة بعيدة تصدر القرارات، بل مؤسسات يستطيع التفاعل معها والتأثير في أدائها ومساءلة القائمين عليها.
فالثقة لا تُبنى بالخطب، وإنما تنمو من تجارب متراكمة يشعر فيها الناس بأن أصواتهم مسموعة، وأن المسؤول الذي يخاطبونه يملك القرار ويمكن مساءلته عن النتيجة.
ومن المهم قياس التحديث السياسي بعدد الأحزاب والمرشحين والمقاعد الحزبية في مجلس النواب، لكن هذه المؤشرات لا تقدم الصورة كاملة. فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت علاقة المواطن بالقرار العام قد تغيرت فعلاً، وما إذا كان يرى المشاركة جزءاً من مسؤوليته، ويمتلك وسيلة للتأثير بين انتخاب وآخر.
لقد أمضينا وقتاً طويلاً ونحن نسأل: كيف نبني أحزاباً قوية؟ وهو سؤال في مكانه، لكن هناك سؤالاً يسبقه: كيف نبني مجتمعاً يمارس السياسة ويؤمن بأن مشاركته مجدية؟
الإجابة تبدأ من الحي والبلدة والمدينة والمحافظة؛ من مجلس محلي يملك قراره، ومواطن يشارك في تحديد أولويات منطقته. هناك تظهر القيادات، وتتكوّن الخبرة، وتنمو الثقة، وتنتقل السياسة من الشعارات إلى الممارسة، ومن الوعود إلى النتائج.
ومن الحكم المحلي يبدأ التحديث السياسي.