اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. سعيد المصري : اتفاق مكة: نواة توازن استراتيجي جديد في الإقليم؟

م. سعيد المصري : اتفاق مكة: نواة توازن استراتيجي جديد في الإقليم؟
أخبارنا :  

يمثل اتفاق الدفاع المشترك الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة تطوراً يتجاوز في دلالاته نصوص التعاون العسكري المباشر. فهو يعكس محاولة ثلاث قوى إسلامية رئيسية لإعادة ترتيب موقعها داخل إقليم مضطرب، يشهد تراجعاً نسبياً للمظلة الأمنية الأميركية، وتصاعداً في الاندفاع الإسرائيلي، واستمراراً للتهديد الإيراني، إلى جانب التنافس الهندي–الباكستاني والتحولات المتسارعة في النظام الدولي.


ولا يبدو الاتفاق، في مرحلته الحالية، حلفاً عسكرياً متكاملاً على غرار حلف شمال الأطلسي، ولا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث ستدخل الحرب تلقائياً دفاعاً عن بعضها. فالتهديدات التي تواجهها مختلفة، ولكل دولة أولوياتها وتحالفاتها وحساباتها الخاصة. إلا أن ذلك لا ينتقص من أهميته بوصفه اصطفافاً استراتيجياً يسعى إلى إنتاج قدرة مشتركة على الردع والمناورة السياسية، وإبلاغ القوى الكبرى بأن دول المنطقة لم تعد مستعدة للاعتماد المطلق على ترتيبات أمنية خارجية لم تعد مضمونة كما كانت في السابق.


وقد أصابت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في جانب مهم من تحليلها عندما اعتبرت أن القيمة السياسية والدبلوماسية للاتفاق قد تكون، في الوقت الراهن، أكبر من قيمته العسكرية المباشرة. لكنها ركزت أساساً على رسائله إلى الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، بينما يمكن فهمه بصورة أشمل باعتباره توازناً استراتيجياً مركباً، تنظر إليه كل دولة من زاوية احتياجاتها الأمنية والجيوسياسية.


بالنسبة إلى باكستان، يبقى التحدي الهندي في مركز عقيدتها الأمنية. فالهند تتفوق اقتصادياً وديموغرافياً، وتعمل على توسيع نفوذها الدولي وتعزيز قدراتها العسكرية والتكنولوجية، كما ترتبط بعلاقات متنامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من القوى الآسيوية والغربية. ومن هنا يمنح التعاون مع السعودية وتركيا باكستان عمقاً سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً إضافياً، ويعزز قدرتها على موازنة الهند دون الانزلاق بالضرورة إلى مواجهة مباشرة معها.


كما تضع باكستان في خدمة هذا الترتيب خبرتها العسكرية ومكانتها باعتبارها الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي. ولا يعني ذلك انتقال المظلة النووية الباكستانية تلقائياً إلى الدولتين الأخريين، لكنه يضيف إلى الاتفاق وزناً ردعياً ورمزياً لا يمكن تجاهله، ويرفع مكانة إسلام آباد من دولة منشغلة بصراعها مع الهند إلى شريك مؤثر في هندسة الأمن الإقليمي.


أما تركيا، فإنها تراقب الاندفاع الإسرائيلي العسكري والجيوسياسي في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وتدرك أن نجاح إسرائيل في فرض هيمنتها على المشرق العربي سيجعل مجال نفوذها يصل عملياً إلى الحدود الجنوبية لتركيا. وعندئذ لن تبقى المسألة خلافاً سياسياً حول فلسطين أو سوريا، بل ستتحول إلى تحدٍ مباشر لمكانة تركيا وأمنها القومي ودورها الإقليمي.


ومن هذا المنظور، لا تسعى أنقرة بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، لكنها تريد منع قيام نظام إقليمي تحتكر فيه إسرائيل التفوق والقدرة على تحديد قواعد الحركة وحدود الأمن للدول الأخرى. كما يمنحها الاتفاق فرصة لتأكيد مكانتها قوةً مركزية تجمع بين جيش كبير، وصناعة دفاعية متقدمة، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وعلاقات واسعة في آسيا والشرق الأوسط.


أما السعودية، فهي القوة الأكثر تعبيراً عن التحول في مفهوم الاعتماد الأمني. فقد تراجعت ثقتها تدريجياً بفاعلية الالتزام الدفاعي الأميركي، خصوصاً بعد عدم الرد الحاسم على الهجمات التي استهدفت منشآتها النفطية عام 2019، ثم بعد أن أظهرت التطورات أن واشنطن تقدم لإسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً وحماية شبه غير مشروطة، في الوقت الذي تتعامل فيه مع أمن حلفائها العرب وفق حسابات متغيرة ومصالح ظرفية.


ولا يعني ذلك أن الرياض تريد إنهاء شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة؛ فالعلاقات بينهما أعمق من أن يستبدلها اتفاق واحد. إلا أن السعودية تريد تنويع مصادر قوتها وتقليص اعتمادها على مظلة منفردة، وإبلاغ واشنطن بأنها قادرة على بناء شبكة من البدائل والشراكات، مع حماية مشروعها التنموي وردع مصادر التهديد دون الوقوع في تبعية سياسية لإيران أو اعتماد أمني كامل على الولايات المتحدة.


أما إسرائيل، فليست بالضرورة الهدف العسكري المباشر للاتفاق، لكنها أحد أهم دوافعه الاستراتيجية. فإضعاف إيران وحلفائها لا يعني أن الفراغ الناتج ينبغي أن تملأه هيمنة إسرائيلية منفردة. وقد أسهمت الحرب على غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والعمليات العسكرية في لبنان وسوريا، والخطاب المتعلق بإعادة رسم الإقليم، في تعزيز الاعتقاد بأن إسرائيل لم تعد تسعى فقط إلى حماية أمنها، بل إلى فرض مفهومها الخاص للأمن على المنطقة بأكملها.


ومن الطبيعي أن تكون فكرة هذا التحالف جاذبة لعدد كبير من دول المنطقة، لأنها تقدم إطاراً محتملاً للأمن الجماعي يستند إلى قدرات دول إقليمية كبرى بدلاً من الارتهان الكامل للحماية الخارجية. لكن توسيع الاتفاق يظل مرتبطاً بقدرة دوله المؤسسة على بناء مظلة جامعة لا تتحول إلى طرف في الخلافات العربية البينية.


ومن بينها الأردن، الذي يرتبط بعلاقات متوازنة ووثيقة مع جميع دول الخليج العربي، ولا يرغب في الانحياز إلى محور خليجي في مواجهة محور آخر. ولذلك أعتقد أن عمّان ستنتظر حدوث انفراج حقيقي في العلاقات بين الشقيقتين السعودية والإمارات قبل أن تنظر بجدية إلى إمكان الارتباط بمثل هذا التحالف. فالأردن يحتاج إلى إطار يعزز وحدة الخليج وأمنه، لا إلى ترتيب قد يكرس الانقسام بين دوله أو يضعه أمام خيارات تتعارض مع سياسته القائمة على التوازن والاعتدال.


وإذا نجح الاتفاق في استيعاب بقية دول مجلس التعاون الخليجي ضمن رؤية مشتركة، فإنه سيتحول من اصطفاف ثلاثي إلى واحدة من أكبر منظومات التوازن والردع في المنطقة. فاجتماع الثقل الاقتصادي والمالي والتكنولوجي لدول الخليج مع القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والخبرة والقدرة النووية الباكستانية، سيؤسس قوة استراتيجية قادرة على درء مخاطر كل من إسرائيل وإيران، دون أن تكون مضطرة إلى خوض حرب مع أي منهما.


ومع ذلك، يواجه الاتفاق تحديات حقيقية، أبرزها اختلاف مصادر التهديد، والتنافس المحتمل على القيادة، وغياب آليات واضحة للتشاور واتخاذ القرار وتبادل المعلومات وتحديد الحالات التي تستوجب التحرك المشترك. ومن دون معالجة هذه المسائل، قد يبقى الاتفاق إطاراً رمزياً أكثر منه منظومة أمنية متماسكة.


إن اتفاق مكة لا يمثل، في جوهره، تأسيس محور للحرب، بل محاولة لإعادة بناء التوازن ومنع أي قوة إقليمية من الانفراد بتحديد مستقبل المنطقة. وقد لا يكون حلفاً عسكرياً مكتملاً بعد، لكنه يمكن أن يشكل نواة انتقال من انتظار الحماية الخارجية إلى بناء أمن إقليمي متعدد الأطراف، شريطة أن يكون جامعاً لدول الخليج، ومنفتحاً أمام دول عربية مثل الأردن، وقادراً على تحويل اختلاف مصالح أعضائه إلى رؤية مشتركة تحمي الاستقرار والسيادة وتمنع الهيمنة.





مواضيع قد تهمك