ابراهيم غرايبة : كيف نعيش حياتنا .. كيف تكون حياتنا أفضل؟
لماذا تتزايد أهمية الثقافة؟ ولماذا يعجز الفاعلون الثقافيون والاجتماعيون عن أداء دورهم ورسالتهم؟ كيف تصعد الثقافة وينحسر المثقفون؟
تحاول هذه المقالة أن تخمن اتجاهات وإجابات جديدة في مجالات وفضاءات جرى تحديدها وتصميمها ثقافيا على مدى القرون على نحو راسخ ومتراكم، لكنها اليوم تشهد مراجعات استراتيجية، وسوف تتجاوز المقالة الحديث عن التحولات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية والثقافية المصاحبة للتكنولوجيا الجديدة، إذ لا يتسع المجال لعرضها هنا. لست واثقا من قدرتي على الإجابة؛ لكنها على أي حال مساهمة تأمل أن تحظى بشرف المحاولة.
تشارك الثقافة بما هي وعي الذات وكما ينعكس هذا الوعي في أسلوب الحياة والعمارة والعادات والتقاليد والقيم والأعراف والسلوك والتنظيم الاجتماعي والطعام واللباس وفي التصميم والآداب والموسيقى والفنون الجميلة في بناء وتشكيل المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأمم والمجتمعات والأفراد وتحديد أتجاهاتها، ويستدل بها (الثقافة) على الأمم وقياس تقدمها وفشلها. والحال أن الثقافة لا تغيب ما دامت الأمم موجودة، لكنها تعكس حالها، ويصيبها ما يصيب الأمم من تغير أو ازدهار أو تراجع. هكذا فإن الثقافة يمكن أن تحمي مكتسبات الأمم ومواردها، وتشارك في تعظيمها وتجديدها، ويمكن أن تحمي الواقع القائم وتقاوم تغييره، إنها ليست محايدة، كما أنها أيضا لا تعمل على نحو تلقائي.
إن الوظيفة الأساسية للثقافة والفنون كما يقول هيغل هي الارتقاء بذائقة الأفراد والأمم وتخفيف أو تلطيف النزعة إلى البداءة والفجاجة في الحياة والسلوك، وحسب أمارتيا سن فإن الثقافة تدخل في ثلاثة أدوار؛ تأسيسي، إذ الثقافة مكون أساسي لا ينفصل عن التنمية ويمكن الناس من إدراك قدراتهم، وتقييمي، إذ يتأثر تقديرنا للإنجازات والأعمال والمنتجات والأشياء بالثقافة، وأداتي؛ فالأهداف التي نسعى لتحقيقها تتحدد بطبيعة ثقافتنا وأخلاقنا. وباختصار فإنها الإجابة الجماعية والمؤسسية والفردية على سؤال؛ كيف نعيش حياتنا؟ وكيف تكون حياتنا أفضل؟ ذلك أن الإنسان تحكم مساره في الحياة نزعتان أساسيتان؛ هما البقاء والبحث، ومن الواضح أن الثقافة تدير هاتين النزعتين باتجاه تحسين الحياة.
يرتبط معنى الحياة وهدفها بالحاجات الإنسانية التي نسعى لتحقيقها. ولكن الأكثر صعوبة هو كيف نميز بين الأصيل وبين الزائف في هذه الاحتياجات والمعاني. إن الأمم أفرادا وجماعات تبحث عن معنى وجودها وجدواه، وحين نفقد هذا المعنى تتحول حياتنا إلى كابوس، ونفقد الرغبة في العمل والمشاركة، هكذا فإننا نعمل ونشارك في الجماعات والمؤسسات لنكون جزءا متقبلا في عالمنا المحيط بنا؛ نتقبله ويتقبلنا. وقد استقرت الأمم على تحصيل المعنى من العمل والمشاركة والثقافة والدين والارتقاء بالحياة والفنون والآداب. هل بقي المعنى كما هو بالنسبة للأفراد والأمم؟ يُفترض أن يتشكل معنى الوجود وجدواه تلقائيا. ويجب ألا يمثل ذلك أزمة إلا لفئة قليلة من المجتمعات؛ هي الرواد الذين يمنحون الأفراد والمجتمعات آفاقا جديدة للتطوير والمراجعة. ولكن المعنى لم يعد يتشكل تلقائيا في تحولات الأعمال والموارد والمؤسسات والمدن والجماعات البشرية، أو في عبارة أخرى إننا نبحث اليوم جميعا (وليس الرواد فقط) عن معنى جديد.
يمكن ملاحظة البحث عن المعنى الجديد في الاتجاهات الجديدة للآداب والفنون والموسيقى، فهي تعكس اليوم بوضوح الحيرة وعدم اليقين والبحث بلهفة عن المعنى. الشعر يمضي إلى الفلسفة والتصوف ولم يعد وعاء للحب والغزل والمديح والرثاء والفخر، والسرد يمضي إلى البحث والمعرفة، ولم يعد حكايات وقصص ممتعة، وعبارات وصور فنية جميلة وبليغة. لم يمكث للغموض والحب سوى هوامش قليلة، لم تعد تجعله مميزا ومبدعا. ولم تعد المؤسسات والجامعات والمدارس والطبقات والمدن والأحياء تدير وتنظم موارد وأعمال تنشئ قيادات وتشكيلات وتقاليد وقيم اجتماعية ومهنية، هكذا فإن وعي الوجود وتراث الأمم والطبقات لم يعد يعني للجيل الجديد ما يعنيه (كان يعنيه) للأجيال السابقة.
الإنسان اليوم لا يجد خيارا في هذه المتاهة سوى البحث عن المعنى والرضا والسعادة إلا في ذاته وليس خارجها، لأن هذا الخارج لم يعد يمكنه إلا بقدر ضئيل تقديم المعنى، بل إن الخارج (أمم وجماعات ومؤسسات وطبقات) يبحث مثل الفرد نفسه عن دور ومعنى. المدارس والجامعات التي شكلت النخب والمهن والرواد على مدى الأجيال لم تعد قادرة على فعل ذلك، وربما لن تظل قائمة كما هي، فالتعليم الشبكي يغير في فلسفة وطبيعة العلم والتعلم، والرواية المنشئة للمدارس والجامعات؛ وهي المؤسسات الدينية والنقابات المهنية والطبقات القيادية في المجتمع تتعرض للمراجعة والتساؤل؛ إذ أنها لم تعد موجودة أو أنها تغيرت على نحو لم تعد تعرف نفسها. وتدفق المعرفة وتداولها ونموها صار يفوق قدرة المؤسسات التعليمية والتدريبية والإرشادية، ولم يعد ممكنا لتفعيل التعليم والتحديث سوى تعليم ذاتي مستمر، وفي إتاحة المعرفة وإمكانية الوصول إليها يتغير أو يتراجع أو ينحسر دور العاملين في التعليم والتدريب والإرشاد. الذات الفاعلة تتقدم اليوم لتنشئ بنفسها ما صارت تعجز عنه الجامعات والمدارس والمؤسسات الإعلامية والإرشادية.
وفي ذلك يتشكل وعي جديد. يقول الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس، مؤسس علم النفس الحديث: إن الإكتشاف الأعظم الذي شهده جيلي؛ والذي يقارن بالثورة الحديثة في الطب هو معرفة البشر أن بمقدورهم تغيير حياتهم عبر تغيير مواقفهم الذهنية.