حسين بني هاني : مرشدٌ أعلى في طهران وآخر في البيت الأبيض
لا تصحّ المقارنة ولا المشابهة بين الزعيمين في هذا العنوان ، ولكن الواقع السياسي في واشنطن وطهران يوشك أن يكون كذلك تماماً ، المرشد في طهران هو السيّد والحاكم المطلق ، وهو من قدّس الله سرّه ، طاعته واجبة على الجميع . أما في واشنطن فالرئيس عادة مختلف ، ولكنّ ترامب بدا في ولايته الثانية ، وكأنه من حصّن الله سلطته هذه المرة ، بفضل الغالبية الجمهورية داخل الكونغرس ، وبات الكل يطيعه ولو إلى حين . هذه معادلة حكم غير متكافئة بالنسبة للرئيس ترامب ، جَدَلَ منها سياسة لم تشهدها الساحة الامريكية من قبل ، إذ بدا منذ أُعيد انتخابه ، وكأنه الرئيس الأوحد والمنقذ الأعظم للشعب الامريكي ، والآمر الناهي الذي لا يُرَدُّ له قرار ، وبدا ترامب وفق هذه المعادلة التي تمرّ بها السياسة الأمريكية اليوم ، وكأنه يحاول إيجاد مسار جديد للرئاسة الأمريكية ، تمكنه من الانفراد برأيه ، وفرض واقع جديد على الأرض في السياسة الأمريكية لم يسبقه عليه أحد . لكنه في ميدان الحرب ، يدرك جيداً أنه لم يعد لديه متسع من الوقت مع إيران ، ولا خيارات كثيرة لديه ، في ظلّ التطورات الميدانية على الأرض هناك ، وخذلان حلفائه الاوروبيين ، وبدا أن مراهنته على مواطن الضعف في إيران ، يعوزها الدقة في التقدير ، لأن (مثيله) نظام المرشد الآخر في طهران ، بات أكثر قابلية للاحتمال والصبر والتحمّل ، مقارنةً بما يفرضه النظام الديمقراطي الامريكي على الرئيس من معطيات سياسية .
يبدو أنّ ترامب بوصفه المرشد الأعلى اليوم للسياسة الخارجية الأمريكية ، قد أساء تقدير ديناميات القوى الاقليمية ، كونه لازال يتأرجح بين عقد الصفقات وشنّ الحروب ، مما يقلل من فرص نجاحه في كلّ ما يسعى إليه ، إذ لم يعد الإيرانيون يخشون تهديداته ، ولا يثقون بعقد أي اتفاق معه ، فهو بنظرهم من أبرم مع الحليف السعودي الموثوق لديه ، الاتفاق النووي ونقضه في اليوم التالي ، وعاد ليربطه بموافقة الرياض على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل .
لم يفقد ترامب الدعم السياسي الواسع في الداخل للحرب وحسب ، وإنما فقده أيضاً لدى حلفائه المقرّبين أيضاً ، أولئك الذين يشاهدون تقلّب مواقفه بين الفينة والأخرى .
يبدو أن مرشد البيت الأبيض ، قد ملّ نمط التفاوض مع ملالي طهران ، وربما نشأت لديه رغبة في التخلي عن الشرق الأوسط وأوجاعه السياسية ، لكن ظروف المنطقة لا تسمح له بفعل ذلك ، إذ بدا تلويح نتنياهو برفض الانصياع لخطته في غزة مثلاً ، وكأنه تذكير صارخ لحدود قوّته في المنطقة ، هذا حال الصديق والحليف بالنسبة للرئيس ترامب ، فكيف حال العدو في طهران بالنسبة له ، وهو يسعى لإعلان نجاح بأي ثمن هناك ، في ظل عجزه عن فرض إرادته على الاثنين معاً .
لقد نسي الرئيس ترامب وهو يعدّد ضغوط النظام الايراني الاقتصادية ، بأن مأزقه المماثل لا يقلّ شأناً عنها تماما ، بعد تزايد الاستياء الشعبي من هذه الحرب ، حتى بين مؤيديه الجمهوريين ، وغدت المعادلة بالنسبة له تعني ، أن الصداقة مع إسرائيل ، لا ينبغي أن تكون على حساب المصالح الامريكية ، مذكّراً الجميع بأنّ أكبر تغيير شهده خلال ربع قرن في الولايات المتحدة ، هو ما حدث لاسرائيل واليهود فيها ، فقد كان لديهم حسب قوله ، أقوى لوبي سياسي في واشنطن ، في وقت يظهر فيه زعيم الديمقراطيين اليوم في الكونغرس ، اليهودي تشاك شومر حسب قول ترامب ، وكأنه أصبح اكثر فلسطينية في مواقفه ، مما يدل على إنحدار وضعف الدعم الأمريكي المطلق لاسرائيل ، الذي ساد عقوداً طويلة دون حساب من أحد .
أظن أن مثل هذه المفارقة ، ستكون عقدة المنشار في مسيرة نتنياهو السياسية ، بل ومعضلته الرئيسية بعد الحرب ، فإذا خسر حزب ترامب الانتخابات النصفية ، فإن الأخير سوف يصبُّ جام غضبه عليه ، وسيكون مستقبله السياسي ، لدى ترامب على كف عفريت ، حتى لو فاز حزبه فوزاً ساحقاً بالانتخابات المقبلة.