سمير حمدان - بودابست : الطريق إلى حزب الله لا يمر بدمشق بل بطهران
ليست أكبر أخطاء القوى الكبرى أنها تخسر الحروب، بل أنها تعتقد أنها تستطيع نقلها من جبهة إلى أخرى من دون أن تنتقل معها كلفتها، ومن هذه الزاوية قد يكون أخطر ما يُطرح اليوم ليس مستقبل حزب الله، بل مستقبل سوريا نفسها، فالسؤال الحقيقي ليس إن كانت دمشق قادرة على التعامل مع هذا الملف، بل لماذا يُراد لها أن تتحمل مسؤولية عقدة عجزت المنطقة كلها عن تفكيكها طوال أربعة عقود، لأن ما يبدو فرصة سياسية قد يتحول إلى عملية لنقل المخاطر من الإقليم إلى الداخل السوري .
قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى منطقية، فسوريا تستعيد حضورها العربي والدولي، والولايات المتحدة تفتح أبوابًا جديدة، لكن السياسة لا تُقاس بما يبدو ممكنًا اليوم، بل بما سيبقى ممكنًا بعد سنوات، فالدول الخارجة من الحروب تحتاج أولًا إلى تثبيت استقرارها، لا إلى البحث عن أدوار أكبر، لأن بناء الداخل يسبق توسيع النفوذ في الخارج .
ولهذا فإن المهمة المركزية أمام القيادة السورية ليست إدارة ملفات المنطقة، بل إعادة بناء الدولة، وإنعاش اقتصادها، والأهم إعادة توحيد السوريين بكل مكوناتهم وطوائفهم داخل مشروع وطني جامع، فالدولة التي لم تُنجز مصالحتها الداخلية لا تستطيع أن تحمل أوزان الإقليم، كما أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي السورية، واستمرار الضربات داخل العمق السوري، يجعل أولوية تثبيت السيادة أكثر إلحاحًا من أي دور إقليمي جديد .
لكن الخطأ الحقيقي أعمق من ذلك، فالاعتقاد بأن حزب الله ملف لبناني يمكن أن تنتقل مسؤوليته إلى دمشق يكشف سوء فهم لطبيعة النظام الإقليمي، فالحزب ليس ملفًا يمكن فصله عن بيئته الإقليمية، بل جزء من منظومة استراتيجية بنتها إيران خلال عقود، وربطت عبرها طهران، وبغداد، ودمشق، وبيروت، ولهذا فإن أي مشروع يتعامل معه بمعزل عن إيران لن يغيّر التوازنات، ولذلك فإن الطريق إلى حزب الله لا يبدأ في دمشق، بل يمر أولًا بطهران .
وهنا تظهر المفارقة، فربما لا يكون المطلوب من سوريا إنهاء أزمة حزب الله، بل أن تتحمل كلفة إدارتها، وعندما تصبح دمشق الجهة المطالبة بضبط أكثر ملفات المشرق تعقيدًا، ينتقل إليها عبء الصراع، بينما يحتفظ الآخرون بحرية الحركة، وقد تجد نفسها تنتقل من حرب أنهكتها إلى صراع سياسي وأمني أطول عمرًا وأكثر استنزافًا، وهذه ليست تسوية، بل إعادة توزيع للأزمة .
ولهذا فإن أي حديث عن دور سوري جديد لا يمكن أن ينجح إذا تجاوز إيران، فالتفاهمات الكبرى لا تُبنى بالقفز فوق موازين القوى، بل بالاعتراف بها، ولهذا أدارت موسكو التوازنات القائمة بدل محاولة كسرها، فأنشأت مع إسرائيل آلية لتجنب الاحتكاك العسكري المباشر رغم استمرار الضربات داخل سوريا، وهو اعتراف بأن إدارة التناقضات أقل كلفة من تجاهلها، والمنطق نفسه يفرض أن يسبق أي دور سوري في لبنان تفاهم سوري إيراني واضح، لأن تجاوز طهران لن يصنع استقرارًا، بل سيولد صراعًا أوسع .
وفي الوقت نفسه يمكن تفهم رغبة القيادة السورية في الانفتاح على الولايات المتحدة، والخروج من سنوات العزلة، والسعي إلى رفع العقوبات وجذب الاستثمارات، لكن إدارة الدول لا تقوم على استهلاك الأوراق السيادية دفعة واحدة، فالجولان إحدى أهم الأوراق السيادية في أي مسار تفاوضي مستقبلي، وأي حديث متسارع عن التطبيع أو تقديم تنازلات قبل استكمال بناء الدولة وتعزيز عناصر قوتها، قد يبدو مكسبًا سريعًا، لكنه قد يتحول إلى خسارة استراتيجية طويلة الأمد .
ولهذا فإن الأولوية أمام سوريا ليست إدارة ملفات الآخرين، بل بناء سوريا نفسها، دولة موحدة، ومجتمعًا متماسكًا، ومؤسسات قادرة على حماية جميع أبنائها، واستعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، فالدول التي لا تنجح أولًا في توحيد بيتها الداخلي لا تستطيع أن تصنع نفوذًا مستدامًا في الخارج .
أما الحقيقة التي قد يكتشفها الجميع بعد سنوات، فلن تكون أن حزب الله تغيّر، بل أن سوريا هي التي تغيّرت، وأن الدولة التي كانت تحاول الخروج من حرب طويلة وجدت نفسها تحمل عبء صراع لم تختره، وعندها لن يكتب المؤرخون أن المشروع أخطأ لأنه لم يصل إلى حزب الله، بل لأنه أخطأ منذ لحظته الأولى حين افترض أن الطريق إلى حزب الله يمر بدمشق، بينما كانت الخريطة تشير إلى طهران منذ البداية، وأن من يسيء قراءة توازنات المنطقة لا يغيّر وجهة الصراع، بل يغيّر الدولة التي ستدفع ثمنه .