ماهر ابو طير : الأردن وسط عاصفة الحرب
كل الأزمات التي تعبر الإقليم تترك أثرا على الأردن، وهذا لا يمنع أبدا أن يسعى الكل لتجنيب الأردن تأثيرات هذه الأزمات الصعبة.
لدينا تيار انتحاري يعتقد أن الأردن لا بد أن يدفع الثمن، وإذا قيل له إن
حرية المعتقد السياسي لدى هذا أو ذاك، يجب أن تراعي ظرف الأردن وتركيبته
الداخلية ومصلحته واستقراره، لا يعجبه الكلام، وكأن خلخلة الأردن تعد عملا
وطنيا، وتأتي في سياق وطني، وهذه سفاهة حقا، لأن الأردن يجب ألا يكون كبش
الفداء في الإقليم.
هذا التيار سبق أن رأيناه في دول كثيرة، ورأينا أيضا كيف أضر ببلاده وشعبه
في ساعات الخطر، وكأنّ التضحية بشعب وبلد، يعد أمرا راشدا ودليلا على
الوطنية والإخلاص، وهذا الجهل أدى إلى نتائج كارثية في تجارب كثيرة، فيما
بقي الأردن بكل مشاكله اليومية، عصيّا على الخراب، وعلى القسمة، وعلى ضياع
مستقبله وحياته.
في هذه الحرب، ومن قبلها حرب غزة، وأزمات كثيرة، أعلن كثيرون موقفهم، والكل
حر في موقفه، فلا أحد يعرف ماذا في صدر الآخر، ولا أحد لديه السلطة
لمحاكمة الآخر، لكن طرح عنوان الأردن يثير الاختلاف عند البعض، وهذا أمر
غريب حقا، لأن الأردن يجب أن يكون عنصر توافق، لا خلاف عليه، وتجنيبه
الكوارث يجب أن يكون عقيدة سياسية لدى كل واحد فينا، مهما كانت اختلافاتنا
اليومية.
سيرد البعض ويقول أن لا أحد يختلف حول الأردن، لكن هؤلاء قد يختلفون على
وصفة النجاة، وشكل الأردن ودوره الذي يريدونه في الإقليم، وهذه إجابة قابلة
للرد، لكن في التواقيت الصعبة لا مجال كثيرا للجدل، والأمر يجب أن يتركز
على نجاة الأردن، لا الاختلاف حول سياسته، أو مستقبله، أو الطريقة التي
يدير بها الأمور.
المعارضة الراشدة أيضا تدرك الفرق بين الاعتراض على سياسة ما، وبين الكلفة التي قد يدفعها البلد، في ظل إقليم يحترق ليل نهار أمامنا.
في مرات تشعر أن هناك حسدا للأردن بكل مشاكله، إذ يسألون لماذا يسلم الأردن
دوما، وبعضهم يقول لك إن نجاة الأردن مؤقتة، وهنا وبعيدا عن المهاترات لا
بد أن يقال إن نجاة الأردن ليست بالصدفة، ولن تجدا أحدا بين الأردنيين يريد
ايذاء الأردن، فيما يتوجب التمييز بين فواتير الإقليم التي تتنزل على الكل
بشكل إجباري، وفواتير الإقليم التي يعتقد بعضنا أن على الأردن دفعها، وهذا
كلام لا يعبر عن بصيرة سياسية، ولو كان يعّبر عن هذه البصيرة لتصرف برشد.
الأردن محاط بالحرائق من كل الاتجاهات، والوضع حساس جدا، وكل حرب وأزمة
تكشف عن نقاط قوة وضعف فينا، لكن آن الأوان بكل هدوء أن يكون إجماعنا على
الأردن هو وسيلة قياسنا لحساسية أي ظرف، ومدى احتمالنا للتأثيرات، وحرمة
إضاعة الأردن من بين أيدينا، تحت وطأة تصورات غير منتجة، وغير أخلاقية، ولا
عملية.
الحرب في المنطقة قد ينجم عنها نظام سياسي عربي أو إقليمي جديد، ونظام
أمني عربي أو إقليمي جديد، وإعادة رسم للخرائط بعد فوضى عارمة، ويجب أن
يكون هدفنا بقاء الأردن قويّا، آمنًا، في وجه كل التغيرات الإستراتيجية
المصيرية المقبلة على الطريق.
عاصفة الحرب تهبّ على كل المنطقة، ولا يعيب كل واحد فينا، أيا كان موقفه
السياسي واتجاهه واصطفافه، أن يتذكر أن تجنيب الأردن هذه العاصفة هو عمل
وموقف لا يجوز الاختلاف عليه أبدا.
ــ الغد